إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٣ - القلب الثاني القلب المخذول المشحون بالهوى
القلب الثاني:القلب المخذول المشحون بالهوى
،المدنس بالأخلاق المذمومة و الخبائث المفتوح فيه أبواب الشياطين،المسدود عنه أبواب الملائكة.و مبدأ الشرفية،أن ينقدح فيه خاطر من الهوى و يهجس فيه،فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتى منه، و يستكشف وجه الصواب فيه،فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى و أنس به،و استمر على استنباط الحيل له،و على مساعدة الهوى،فتستولى النفس و تساعد عليه،فينشرح الصدر بالهوى و تنبسط فيه ظلماته،لانحباس جند العقل عن مدافعته،فيقوى سلطان الشيطان،لاتباع مكانه بسبب انتشار الهوى،فيقبل عليه بالتزين و الغرور و الأمانى،و يوحى بذلك زخرفا من القول غرورا.فيضعف سلطان الإيمان بالوعد و الوعيد،و يخبو نور اليقين لخوف الآخرة،إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه،حتى تنطفئ أنواره فيصير العقل كالعين التي ملأ الدخان أجفانها،فلا يقدر على أن ينظر.و هكذا تفعل غلبه الشهوة بالقلب،حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف و الاستبصار،و لو بصره واعظ و أسمعه ما هو الحق فيه،عمى عن الفهم،و صم عن السمع،و هاجت الشهوة فيه،وسطا الشيطان و تحركت الجوارح على وفق الهوى،فظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من عالم الغيب، بقضاء من اللّه تعالى و قدره، و إلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّٰ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [١]و بقوله عز و جل لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاٰ يُؤْمِنُونَ [٢]و بقوله تعالى سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاٰ يُؤْمِنُونَ [٣]و رب قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات.كالذي يتورع عن بعض الأشياء و لكنه إذا رأى وجها حسنا لم يملك عينه و قلبه،و طاش عقله،و سقط مساك قلبه.أو كالذي لا يملك نفسه فيما فيه الجاه و الرئاسة و الكبر،و لا يبقى معه مسكة للتثبت عند ظهور أسبابه أو كالذي لا يملك نفسه عند الغضب،مهما استحقر و ذكر عيب من عيوبه.أو كالذي لا يملك نفسه عند القدرة على أخذ درهم أو دينار،بل يتهالك عليه تهالك الواله المستهتر
[١] الفرقان:٤٣ و ٤٤
[٢] يس:٧
[٣] البقرة:٦