إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٠ - الصنف الثالث أن تكون وسوسة بمجرد الخواطر
و بالجملة فالخلاص من الشيطان في لحظة أو ساعة غير بعيد.و لكن الخلاص منه عمرا طويلا بعيد جدا،و محال في الوجود.و لو تخلص أحد من وساوس الشيطان بالخواطر و تهييج الرغبة،لتخلص رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.فقد روى[١]أنه نظر إلى علم ثوبه في الصلاة،فلما سلم رمى بذلك الثوب،و قال«شغلني عن الصّلاة»و قال«اذهبوا به إلى أبي جهم و ائتوني بأنبجانيّته»[٢]و كان في يده خاتم من ذهب،فنظر إليه و هو على المنبر،ثم رمى به و قال«نظرة إليه و نظرة إليكم»و كان ذلك لوسوسة الشيطان، بتحريك لذة النظر إلى خاتم الذهب و علم الثوب.و كان ذلك قبل تحريم الذهب.فلذلك لبسه ثم رمى به .فلا تنقطع وسوسة عروض الدنيا و نقدها إلا بالرمي و المفارقة.فما دام يملك شيئا وراء حاجته،و لو دينارا واحدا،لا يدعه الشيطان في صلاته من الوسوسة في الفكر في ديناره،و أنه كيف يحفظه،و في ما ذا ينفقه،و كيف يخفيه حتى لا يعلم به أحد، أو كيف يظهره حتى يتباهى به،إلى غير ذلك من الوساوس.فمن أنشب مخالبه في الدنيا و طمع في أن يتخلص من الشيطان،كان كمن انغمس في العسل،و ظن أن الذباب لا يقع عليه،فهو محال.فالدنيا باب عظيم لوسوسة الشيطان.و ليس له باب واحد، بل أبواب كثيرة.
قال حكيم من الحكماء:الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي،فإن امتنع أتاه من وجه النصيحة حتى يلقيه في بدعة.فإن أبي أمره بالتحرج و الشدة،حتى يحرم ما ليس بحرام.فإن أبي شككه في وضوئه و صلاته،حتى يخرجه عن العلم.فإن أبي خفف عليه أعمال البر،حتى يراه الناس صابرا عفيفا،فتميل قلوبهم إليه،فيعجب بنفسه،و به يهلكه و عند ذلك تشتد الحاجة،فإنها آخر درجة،و يعلم أنه لو جاوزها أفلت منه إلى الجنة.