إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٥ - و قد ذكرنا مثالا للطريق الغامض من طرقه
قال عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه[١]خط لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوما خطا و قال«هذا سبيل اللّه»ثم خط خطوطا عن يمين الخط و عن شماله،ثم قال«هذه سبل على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه»ثم تلا وَ أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاٰ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [١]لتلك الخطوط فبين صلى اللّه عليه و سلم كثرة طرقه
و قد ذكرنا مثالا للطريق الغامض من طرقه
،و هو الذي يخدع به العلماء،و العباد المالكين لشهواتهم،الكافين عن المعاصي الظاهرة. فلنذكر مثالا لطريقه الواضح الذي لا يخفى إلا أن يضطر الآدمي إلى سلوكه.و ذلك ما روى عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال[٢]«كان راهب في بني إسرائيل فعمد الشّيطان إلى جارية فخنقها و ألقى في قلوب أهلها أنّ دواءها عند الرّاهب فأتوا بها إليه فأبى أن يقبلها فلم يزالوا به حتّى قبلها فلمّا كانت عنده ليعالجها أتاه الشّيطان فزيّن له مقاربتها و لم يزل به حتّى واقعها فحملت منه فوسوس إليه و قال الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها فإن سألوك فقل ماتت فقتلها و دفنها فأتى الشّيطان أهلها فوسوس إليهم و ألقى في قلوبهم أنّه أحبلها ثمّ قتلها و دفنها فأتاه أهلها فسألوه عنها فقال ماتت فأخذوه ليقتلوه بها فأتاه الشّيطان فقال أنا الّذي خنقتها و أنا الّذي ألقيت في قلوب أهلها فأطعنى تنج و أخلّصك منهم قال بما ذا قال اسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فقال له الشّيطان إنّى بريء منك فهو الّذي قال اللّه تعالى فيه» كَمَثَلِ الشَّيْطٰانِ إِذْ قٰالَ لِلْإِنْسٰانِ اكْفُرْ فَلَمّٰا كَفَرَ قٰالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ [٢]فانظر الآن إلى حيله و اضطراره الراهب إلى هذه الكبائر. و كل ذلك لطاعته له في قبول الجارية للمعالجة،و هو أمر هين،و ربما يظن صاحبه أنه خير و حسنة،فيحسن ذلك في قلبه بخفي الهوى،فيقدم عليه كالراغب في الخير،فيخرج الأمر بعد ذلك عن اختياره،
[١] الانعام:١٥٣
[٢] الحشر:١٦