إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٨ - اعلم أن القلب بغريزته مستعد لقبول حقائق المعلومات
فينطوى في إيمانهم إيمان العوام و المتكلمين، و يتميزون بمزية بينة يستحيل معها إمكان الخطأ. نعم و هم أيضا يتفاوتون بمقادير العلوم،و بدرجات الكشف.أما درجات العلوم فمثاله أن يبصر زيدا في الدار عن قرب،و في صحن الدار،في وقت إشراق الشمس،فيكمل له إدراكه.و الآخر يدركه في بيت،أو من بعد،أو في وقت عشية،فيتمثل له في صورته ما يستيقن معه أنه هو،و لكن لا يتمثل في نفسه الدقائق و الخفايا من صورته.و مثل هذا متصور في تفاوت المشاهدة للأمور الإلهية.و أما مقادير العلوم،فهو بأن يرى في الدار زايد او عمر او بكر او غير ذلك،و آخر لا يرى إلا زيدا،فمعرفة ذلك تزيد بكثرة المعلومات لا محالة فهذا حال القلب بالإضافة إلى العلوم و اللّه تعالى أعلم بالصواب
بيان
حال القلب بالإضافة إلى أقسام العلوم العقلية و الدينية و الدنيوية و الأخروية
اعلم أن القلب بغريزته مستعد لقبول حقائق المعلومات
كما سبق،و لكن العلوم التي تحل فيه تنقسم إلى عقلية،و إلى شرعية،و العقلية تنقسم إلى ضرورية،و مكتسبة،و المكتسبة إلى دنيوية،و أخروية،أما العقلية،فنعني بها ما تقضى بها غريزة العقل.و لا توجد بالتقليد و السماع.و هي تنقسم إلى ضرورية،لا يدرى من اين حصلت،و كيف حصلت،كعلم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين،و الشيء الواحد لا يكون حادثا قديما، موجودا معدوما معا، فإن هذه علوم يجد الإنسان نفسه منذ الصبا مفطورا عليها،و لا يدرى متى حصل له هذا العلم،و لا من اين حصل له.أعنى أنه لا يدرى له سببا قريبا.و إلا فليس يخفى عليه أن اللّه هو الذي خلقه و هداه.و إلى علوم مكتسبة،و هي المستفادة بالتعلم و الاستدلال.
و كلا القسمين قد يسمى عقلا. قال علي رضى اللّه عنه
رأيت العقل عقلين فمطبوع و مسموع
و لا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس و ضوء العين ممنوع