إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٨ - كتاب آفات اللّسان
>كتاب آفات اللّسان< و هو الكتاب الرابع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين >بسم اللّه الرحمن الرحيم< الحمد للّٰه الذي أحسن خلق الإنسان و عدّله ،و ألهمه نور الإيمان فزينه به و جمله،و علمه البيان فقدمه به و فضله،و أفاض على قلبه خزائن العلوم فأكمله،ثم أرسل عليه سترا من رحمته و أسبله،ثم أمده بلسان يترجم به عما حواه القلب و عقله،و يكشف عنه ستره الذي أرسله،و أطلق بالحق مقوله،و أفصح بالشكر عما أولاه و خوله ،من علم حصله،و نطق سهله،و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له،و أن محمدا عبده و رسوله الذي أكرمه و بجله ،و نبيه الذي أرسله بكتاب أنزله،و أسمى فضله،و بين سبله،صلى اللّه عليه و على آله و أصحابه و من قبله،ما كبر اللّه عبد و هلله أما بعد:فإن اللسان من نعم اللّه العظيمة،و لطائف صنعه الغريبة.فإنه صغير جرمه، عظيم طاعته و جرمه.إذ لا يستبين الكفر و الإيمان إلا بشهادة اللسان ،و هما غاية الطاعة و العصيان.ثم إنه ما من موجود أو معدوم،خالق أو مخلوق،متخيل أو معلوم،مظنون أو موهوم،إلا و اللسان يتناوله،و يتعرض له بإثبات أو نفى.فإن كل ما يتناوله العلم،يعرب عنه اللسان،إما بحق أو باطل.و لا شيء إلا و العلم متناول له.و هذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء،فإن العين لا تصل إلى غير الألوان و الصور،و الآذان لا تصل إلى غير الأصوات و اليد لا تصل إلى غير الأجسام ،و كذا سائر الأعضاء.و اللسان رحب الميدان،ليس له مرد،و لا لمجاله منتهى و حد،له في الخير مجال رحب،و له في الشر ذيل سحب.فمن أطلق عذبة اللسان،و أهمله مرخى العنان،سلك به الشيطان في كل ميدان،و ساقه إلى شفا جرف هار،إلى أن يضطره إلى البوار.و لا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم و لا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع،فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا و الآخرة