إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٨ - و مهما احتاج المريد إلى النكاح،فلا ينبغي أن يترك شرط الإرادة في ابتداء النكاح
أهلها لذلك،خوفا من أن يستقبحها.فأراهم الرجل أنه قد أصابه رمد،ثم أراهم أن بصره قد ذهب،حتى زفت إليه،فزال عنهم الحزن.فبقيت عنده عشرين سنة ثم توفيت.ففتح عينيه حين ذلك.فقيل له في ذلك،فقال تعمدته لأجل أهلها حتى لا يحزنوا.فقيل له قد سبقت إخوانك بهذا الخلق و تزوج بعض الصوفية امرأة سيئة الخلق.فكان يصبر عليها.فقيل له لم لا تطلقها؟ فقال أخشى أن يتزوجها من لا يصبر عليها،فيتأذى بها فإن تزوج المريد فهكذا ينبغي أن يكون.و إن قدر على الترك فهو أولى له،إذا لم يمكنه الجمع بين فضل النكاح و سلوك الطريق،و علم أن ذلك يشغله عن حاله كما روى أن محمدا بن سليمان الهاشمي،كان يملك من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم.فكتب إلى أهل البصرة و علمائها في امرأة يتزوجها.فأجمعوا كلهم على رابعة العدوية رحمها اللّه تعالى.فكتب إليها،بسم اللّه الرحمن الرحيم،أما بعد.فإن اللّه تعالى قد ملكني من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم،و ليس تمضى الأيام و الليالي حتى أتمها مائة ألف و أنا أصير لك مثلها و مثلها.فأجيبينى .فكتبت إليه،بسم اللّه الرحمن الرحيم،أما بعد:
فإن الزهد في الدنيا راحة القلب و البدن،و الرغبة فيها تورث الهم و الحزن.فإذا أتاك كتابي هذا،فهيئ زادك،و قدم لمعادك،و كن وصى نفسك،و لا تجعل الرجال أوصياءك، فيقتسموا تراثك.فصم الدهر،و ليكن فطرك الموت.و أما أنا،فلو أن اللّه تعالى خولني أمثال الذي خولك و أضعافه،ما سرني أن أشتغل عن اللّه طرفة عين.و هذه إشارة إلى أن كل ما يشغل عن اللّه تعالى فهو نقصان فلينظر المريد إلى حاله و قلبه.فإن وجده في العزوبة،فهو الأقرب.و إن عجز عن ذلك فالنكاح أولى به.و دواء هذه العلة ثلاثة أمور،الجوع،و غض البصر،و الاشتغال بشغل يستولى على القلب.فإن لم تنفع هذه الثلاثة،فالنكاح هو الذي يستأصل مادتها فقط.
و لهذا كان السلف يبادرون إلى النكاح،و إلى تزويج البنات.قال سعيد بن المسيب،ما أيس إبليس من أحد إلا و أتاه من قبل النساء ،و قال سعيد أيضا،و هو ابن أربع و ثمانين سنة و قد ذهبت إحدى عينيه،و هو يعشو بالأخرى،ما شيء أخوف عندي من النساء