إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٠ - الآفة الثانية أن يقدر على ترك الشهوات،لكنه يفرح أن يعرف به
شدد أمر المنافقين،فقال تعالى إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّٰارِ [١]لأن الكافر كفر و أظهر.و هذا كفر و ستر.فكان ستره لكفره كفرا آخر.لأنه استخف بنظر اللّه سبحانه و تعالى إلى قلبه،و عظم نظر المخلوقين.فمحا الكفر عن ظاهره.و العارفون يبتلون بالشهوات بل بالمعاصي،و لا يبتلون بالرياء و الغش و الإخفاء.بل كمال العارف أن يترك الشهوات للّٰه تعالى،و يظهر من نفسه الشهوة،إسقاطا لمنزلته من قلوب الخلق.و كان بعضهم يشترى الشهوات و يعلقها في البيت،و هو فيها من الزاهدين،و إنما يقصد به تلبيس حاله،ليصرف عن نفسه قلوب الغافلين ،حتى لا يشوشون عليه حاله فنهاية الزهد،الزهد في الزهد بإظهار ضده.و هذا عمل الصديقين.فإنه جمع بين صدقين.كما أن الأول جمع بين كذبين.و هذا قد حمل على النفس ثقلين،و جرعها كأس الصبر مرتين.مرة بشر به،و مرة برميه.فلا جرم أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا.و هذا يضاهي طريق من يعطى جهرا فيأخذ،و يردّ سرا،ليكسر نفسه بالذل جهرا،و بالفقر سرا .فمن فاته هذا فلا ينبغي أن يفوته إظهار شهوته و نقصانه،و الصدق فيه:و لا ينبغي أن يغره قول الشيطان،إنك إذا أظهرت اقتدى بك غيرك،فاستره إصلاحا لغيرك.فإنه لو قصد إصلاح غيره لكان إصلاح نفسه أهم عليه من غيره.فهذا إنما يقصد الرياء المجرد،و يروجه الشيطان عليه في معرض إصلاح غيره.فلذلك ثقل عليه ظهور ذلك منه،و إن علم أن من اطلع عليه ليس يقتدى به في الفعل،أولا ينزجر باعتقاده أنه تارك للشهوات
الآفة الثانية:أن يقدر على ترك الشهوات،لكنه يفرح أن يعرف به
،فيشتهر بالتعفف عن الشهوات .فقد خالف شهوة ضعيفة،و هي شهوة الأكل.و أطاع شهوة هي شر منها و هي شهوة الجاه.و تلك هي الشهوة الخفية.فمهما أحس بذلك من نفسه،فكسر هذه الشهوة آكد من كسر شهوة الطعام.فليأكل.فهو أولى له قال أبو سليمان،إذا قدمت إليك شهوة،و قد كنت تاركا لها،فأصب منها شيئا يسيرا و لا تعط نفسك مناها،فتكون قد أسقطت عن نفسك الشهوة،و تكون قد نغصت عليها إذ لم تعطها شهوتها -و قال جعفر بن محمد الصادق،إذا قدمت إلىّ شهوة،نظرت
[١] النساء:١٤٥