إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٨ - و مهما لم يحس الإنسان بجوع و لا شبع،تيسرت له العبادة و الفكر
يسيرا،فيهم الأوزاعي،و الثوري.فقال له الثوري،يا أبا إسحاق،أما تخاف أن يكون هذا إسرافا،فقال ليس في الطعام إسراف،إنما الإسراف في اللباس و الأثاث فالذي أخذ العلم من السماع و النقل تقليدا،يرى هذا من إبراهيم بن أدهم،و يسمع عن مالك بن دينار أنه قال ما دخل بيتي الملح منذ عشرين سنة،و عن سرى السقطي أنه منذ أربعين سنة يشتهي أن يغمس جزرة في دبس فما فعل ،فيراه متناقضا،فيتحير،أو يقطع بأن أحدهما مخطئ.و البصير بأسرار القول،يعلم أن كل ذلك حق،و لكن بالإضافة إلى اختلاف الأحوال.
ثم هذه الأحوال المختلفة،يسمعها فطن محتاط،أو غبي مغرور.فيقول المحتاط،ما أنا من جملة العارفين حتى أسامح نفسي.فليس نفسي أطوع من نفس سرى السقطي،و مالك ابن دينار،و هؤلاء من الممتنعين عن الشهوات،فيقتدى بهم:و المغرور يقول،ما نفسي بأعصى علىّ من نفس معروف الكرخي،و إبراهيم بن أدهم،فأقتدى بهم،و أرفع التقدير في مأكولى.فأنا أيضا ضيف في دار مولاي،فما لي و للاعتراض.ثم إنه لو قصر أحد في حقه و توقيره،أو في ماله و جاهه بطريقة واحدة،قامت القيامة عليه،و اشتغل بالاعتراض.و هذا مجال رحب للشيطان مع الحمقى.بل رفع التقدير في الطعام،و الصيام،و أكل الشهوات، لا يسلم إلا لمن ينظر من مشكاة الولاية و النبوة.فيكون بينه و بين اللّه علامة في استرساله و انقباضه .و لا يكون ذلك إلا بعد خروج النفس عن طاعة الهوى و العادة بالكلية،حتى يكون أكله إذا أكل على نية،كما يكون إمساكه بنية،فيكون عاملا للّٰه في أكله و إفطاره فينبغي أن يتعلم الحزم من عمر رضى اللّه عنه،فإنه كان يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]يحب العسل و يأكله،ثم لم يقس نفسه عليه،بل لما عرضت عليه شربة باردة ممزوجة بعسل،جعل يدير الإناء في يده و يقول،أشربها و تذهب حلاوتها و تبقى تبعتها،اعزلوا عنى حسابها و تركها و هذه الأسرار لا يجوز لشيخ أن يكاشف بها مريده.بل يقتصر على مدح الجوع فقط،و لا يدعوه إلى الاعتدال،فإنه يقصر لا محالة عما يدعوه إليه.فينبغي أن يدعوه