إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٠ - الفائدة التاسعة خفة المؤنة
أحكم من هذا،و إنه لكلام حكيم.و قال صلى اللّه عليه و سلم«[١]البطنة أصل الدّاء و الحمية أصل الدّواء و عوّدوا كلّ جسم ما اعتاد »و أظن تعجب الطبيب جرى من هذا الخبر لا من ذاك و قال ابن سالم،من أكل خبز الحنطة بحتا بأدب،لم يعتل إلا علة الموت قيل و ما الأدب قال تأكل بعد الجوع،و ترفع قبل الشبع و قال بعض أفاضل الأطباء،في ذم الاستكثار، إن أنفع ما أدخل الرجل بطنه الرمان،و أضر ما أدخل معدته المالح و لأن يقلل من المالح خير له من أن يستكثر من الرمان.و في الحديث[٢]«صوموا تصحّوا»ففي الصوم و الجوع و تقليل الطعام صحة الأجسام من الأسقام،و صحة القلوب من سقم الطغيان و البطر و غيرهما
الفائدة التاسعة:خفة المؤنة.
فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير .و الذي تعود الشبع صار بطنه غريما ملازما له،آخذا بمخنقه في كل يوم،فيقول ما ذا تأكل اليوم؟ فيحتاج إلى أن يدخل المداخل،فيكتسب من الحرام فيعصى،أو من الحلال فيذل.و ربما يحتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس،و هو غاية الذل و القماءة.و المؤمن خفيف المؤنة و قال بعض الحكماء،إنى لأقضى عامّة حوائجي بالترك،فيكون ذلك أروح لقلبي.و قال آخر،إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة أو زيادة،استقرضت من نفسي،فتركت الشهوة،فهي خير غريم لي .
و كان إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه،يسأل أصحابه عن سعر المأكولات،فيقال إنها غالية فيقول أرخصوها بالترك.و قال سهل رحمه اللّه،الأكول مذموم في ثلاثة أحوال،إن كان من أهل العبادة فيكسل.و إن كان مكتسبا فلا يسلم من الآفات.و إن كان ممن يدخل عليه شيء فلا ينصف اللّه تعالى من نفسه و بالجملة سبب هلاك الناس حرصهم على الدنيا.و سبب حرصهم على الدنيا البطن و الفرج و سبب شهوة الفرج شهوة البطن.و في تقليل الأكل ما يحسم هذه الأحوال كلها،و هي أبواب النار.و في حسمها فتح أبواب الجنة،كما قال صلى اللّه عليه و سلم«أديموا قرع باب الجنّة بالجوع »فمن قنع برغيف في كل يوم،قنع في سائر الشهوات أيضا،و صار حرا،