إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٩ - الفائدة الثامنة يستفيد من قلة الأكل صحة البدن
و من جملته الصوم،فإنه يتيسر لمن تعود الجوع.فالصوم،و داوم الاعتكاف،و دوام الطهارة،و صرف أوقات شغله بالأكل و أسبابه إلى العبادة أرباح كثيرة.و إنما يستحقرها الغافلون،الذين لم يعرفوا قدر الدين،لكن رَضُوا بِالْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ اطْمَأَنُّوا بِهٰا يَعْلَمُونَ ظٰاهِراً مِنَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا،وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غٰافِلُونَ [١]و قد أشار أبو سليمان الداراني إلى ست آفات من الشبع فقال:من شبع دخل عليه ست آفات،فقد حلاوة المناجاة،و تعذر حفظ الحكمة،و حرمان الشفقة على الخلق،لأنه إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شباع،و ثقل العبادة،و زيادة الشهوات،و أن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد و الشباع يدورون حول المزابل
الفائدة الثامنة:يستفيد من قلة الأكل صحة البدن
،و دفع الأمراض.فإن سببها كثرة الأكل،و حصول فضلة الاخلاط في المعدة و العروق.ثم المرض يمنع من العبادات ، و يشوش القلب،و يمنع من الذكر و الفكر،و ينغص العيش،و يحوج إلى الفصد و الحجامة و الدواء و الطبيب.و كل ذلك يحتاج إلى مؤن و نفقات،لا يخلو الإنسان منها بعد التعب عن أنواع من المعاصي و اقتحام الشهوات.و في الجوع،ما يمنع ذلك كله حكي أن الرشيد جمع أربعة أطباء،هندى،و رومى،و عراقى،و سوادي،و قال.ليصف كل واحد منكم الدواء الذي لاداء فيه.فقال الهندي،الدواء الذي لاداء فيه عندي،هو الإهليلج الأسود[١].و قال العراقي،هو حب الرشاد الأبيض.و قال الرومي،هو عندي الماء الحار.و قال السوادي،و كان أعلمهم،الإهليلج يعفص المعدة ،و هذا داء.و حب الرشاد يزلق المعدة،و هذا داء.و الماء الحار يرخي المعدة،و هذا داء.قالوا فما عندك؟فقال الدواء الذي لاداء معه عندي،أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه،و أن ترفع يدك عنه و أنت تشتهيه.فقالوا صدقت.
و ذكر لبعض الفلاسفة من أطباء أهل الكتاب قول النبي صلى اللّه عليه و سلم[٢]«ثلث للطّعام و ثلث للشّراب و ثلث للنّفس»فتعجب منه و قال،ما سمعت كلاما في قلة الطعام
[١] الروم:٧