إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٣ - و ينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب
و يمنع من لغو الكلام و فحشه،و من اللعن و السب،و من مخالطة من يجرى على لسانه شيء من ذلك.فإن ذلك يسرى لا محالة من القرناء السوء،و أصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء
و ينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر الصراخ و الشغب
،و لا يستشفع بأحد،بل يصبر،و يذكر له أن ذلك دأب الشجعان و الرجال،و أن كثرة الصراخ دأب المماليك و النسوان
و ينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب
،أن يلعب لعبا جميلا،يستريح إليه من تعب المكتب،بحيث لا يتعب في اللعب.فإن منع الصبي من اللعب،و ارهاقه إلى التعلم دائما،يميت قلبه،و يبطل ذكاءه، و ينغص عليه العيش،حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا و ينبغي أن يعلم طاعة والديه و معلمه و مؤدبه،و كل من هو أكبر منه سنا،من قريب و أجنبي،و أن ينظر إليهم بين الجلالة و التعظيم،و أن يترك اللعب بين أيديهم و مهما بلغ سن التمييز،فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة و الصلاة،و يؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان، و يجنب لبس الديباج و الحرير و الذهب،و يعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع،و يخوف من السرقة و أكل الحرام،و من الخيانة و الكذب و الفحش و كل ما يغلب على الصبيان فإذا وقع نشوه كذلك في الصبا،فمهما قارب البلوغ،أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور.فيذكر له أن الأطعمة أدوية،و إنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة اللّه عز و جل،و أن الدنيا كلها لا أصل لها،إذ لا بقاء لها،و أن الموت يقطع نعيمها، و أنها دار ممر،لا دار مقر.و أن الآخرة دار مقر لا دار ممر و أن الموت منتظر في كل ساعة.
و أن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة،حتى تعظم درجته عند اللّه تعالى، و يتسع نعيمه في الجنان فإذا كان النشو صالحا،كان هذا الكلام عند البلوغ واقعا مؤثرا ناجعا،يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر و إن وقع النشو بخلاف ذلك،حتى ألف الصبي اللعب،و الفحش و الوقاحة،و شره الطعام،و اللباس،و التزين،و التفاخر،نبا قلبه عن قبول الحق،نبوة الحائط عن التراب اليابس