إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٢ - و الرابعة أن يكون مع نشئه على الرأي الفاسد
فإنها أقدم وجودا.إذا الصبي في مبدأ الفطرة تخلق له الشهوة.ثم بعد سبع سنين ربما يخلق له الغضب.و بعد ذلك يخلق له قوة التمييز
و السبب الثاني:
أن الخلق قد يتأكد بكثرة العمل بمقتضاه،و الطاعة له،و باعتقاد كونه حسنا و مرضيا،
و الناس فيه على أربع مراتب
الأولى:و هو الإنسان الغفل
، الذي لا يميز بين الحق و الباطل،و الجميل و القبيح،بل بقي كما فطر عليه،خاليا عن جميع الاعتقادات،و لم تستتم شهوته أيضا باتباع اللذات.فهذا سريع القبول للعلاج جدا،فلا يحتاج إلا إلى معلم و مرشد،و إلى باعث من نفسه،يحمله على المجاهدة،فيحسن خلقه في أقرب زمان
و الثانية:أن يكون قد عرف قبح القبيح
،و لكنه لم يتعود العمل الصالح،بل زين له سوء عمله فتعاطاه، انقيادا لشهواته،و إعراضا عن صواب رأيه،لاستيلاء الشهوة عليه.
و لكن علم تقصيره في عمله.فأمره أصعب من الأول،إذ قد تضاعفت الوظيفة عليه، إذ عليه قلع ما رسخ في نفسه أولا،من كثرة الاعتياد للفساد،و الآخر أن يغرس في نفسه صفة الاعتياد للصلاح.و لكنه بالجملة محل قابل للرياضة،إن انتهض لها بجد و تشمير و حزم
و الثالثة:أن يعتقد في الأخلاق القبيحة أنها الواجبة المستحسنة
،و أنها حق و جميل، و تربي عليها. فهذا يكاد تمتنع معالجته،و لا يرجى صلاحه إلا على الندور،و ذلك لتضاعف أسباب الضلال
و الرابعة:أن يكون مع نشئه على الرأي الفاسد
،و تربيته على العمل به،يرى الفضيلة في كثرة الشر،و استهلاك النفوس،و يباهي به،و يظن أن ذلك يرفع قدره.و هذا هو أصعب المراتب.و في مثله قيل:و من العناء رياضة الهرم،و من التعذيب تهذيب الذيب و الأول من هؤلاء جاهل فقط،و الثاني جاهل و ضال،و الثالث جاهل و ضال و فاسق و الرابع جاهل و ضال و فاسق و شرير و أما الخيال الآخر،الذي استدلوا به،و هو قولهم إن الآدمي ما دام حيا فلا ينقطع عنه الشهوة و الغضب،و حب الدنيا،و سائر هذه الأخلاق،فهذا غلط وقع لطائفة.ظنوا أن المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية و محوها.و هيهات.فإن الشهوة خلقت لفائدة،