إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠١ - أحدهما قوة الغريزة في أصل الجبلة
و الثاني:أنهم قالوا حسن الخلق بقمع الشهوة و الغضب،و قد جربنا ذلك بطول المجاهدة و عرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج و الطبع،فإنه قط لا ينقطع عن الآدمي. فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة.فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة، و ذلك محال وجوده فنقول لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير،لبطلت الوصايا و المواعظ و التأديبات،و لما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]«حسّنوا أخلاقكم» و كيف ينكر هذا في حق الآدمي،و تغيير خلق البهيمة ممكن.إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس،و الكلب من شره الأكل إلى التأدب و الإمساك و التخلية،و الفرس من الجماح إلى السلاسة و الانقياد و كل ذلك تغيير للأخلاق و القول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول الموجودات منقسمة إلى ما لا مدخل للآدمي و اختياره في أصله و تفصيله،كالسماء و الكواكب،بل أعضاء البدن داخلا و خارجا،و سائر أجزاء الحيوانات،و بالجملة كل ما هو حاصل كامل،وقع الفراغ من وجوده و كماله.و إلى ما وجد وجودا ناقصا،و جعل فيه قوة لقبول الكمال بعد أن وجد شرطه.و شرطه قد يرتبط باختيار العبد، بأن النواة ليست بتفاح و لا نخل،إلا أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلة إذا انضاف التربية إليها.و لا تصير تفاحا أصلا،و لا بالتربية.فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار،حتى تقبل بعض الأحوال دون بعض،فكذلك الغضب و الشهوة،لو أردنا قمعهما و قهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر، لم نقدر عليه أصلا.و لو أردنا سلاستهما و قودهما بالرياضة و المجاهدة،قدرنا عليه.و قد أمرنا بذلك.و صار ذلك سبب نجاتنا و وصولنا إلى اللّه تعالى.نعم
الجبلات مختلفة،بعضها سريعة
القبول، و بعضها بطيئة القبول.و لاختلافها سببان
أحدهما:قوة الغريزة في أصل الجبلة
،و امتداده مدة الوجود،فإن قوة الشهوة،و الغضب و التكبر،موجودة في الإنسان.و لكن أصعبها أمرا،و أعصاها على التغيير،قوة الشهوة