إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٣ - أما الوجه الأول
الألباب بتعريف ما أعدت له،هذا ان لم يصرح به الخالق تعالى على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم بالمراد حيث قال تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فكيف و قد صرح بالأمر،و باح بالسر.فكل ممتنع عن النكاح معرض عن الحراثة،مضيع للبذر،معطل لما خلق اللّه من الآلات المعدة،و جان على مقصود الفطرة و الحكمة المفهومة من شواهد الخلقة،المكتوبة على هذه الأعضاء بخط إلهى،ليس برقم حروف و أصوات،يقرؤه كل من له بصيرة ربانية نافذة في إدراك دقائق الحكمة الأزليه.و لذلك عظم الشرع الأمر في القتل للاولاد،و في الوأد،لأنه منع التمام الوجود.و إليه أشار من قال العزل أحد الوأدين فالناكح ساع في إتمام ما أحب اللّه تعالى تمامه و المعرض معطل و مضيع لما كره اللّه ضياعه.و لأجل محبة اللّه تعالى لبقاء النفوس،أمر بالاطعام و حت عليه،و عير عنه بعبارة الفرض فقال مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً [١]فان قلت:قولك ان بقاء النسل و النفس محبوب،يوهم ان فناءها مكروه عند اللّه،و هو فرق بين الموت و الحياة،بالإضافة إلى إرادة اللّه تعالى،و معلوم ان الكل بمشيئة اللّه و أن اللّه غنى عن العالمين،فمن أين يتميز عنده موتهم عن حياتهم،أو بقاؤهم عن فنائهم؟-فاعلم ان هذه الكلمة حق أ يريد بها باطل.فان ما ذكرناه لا ينافي اضافة الكائنات كلها إلى إرادة اللّه خيرها و شرها،و نفعها و ضرها،و لكن المحبة و الكراهة يتضادان و كلاهما لا يضادان الارادة ،فرب مراد مكروه،و رب مراد محبوب،فالمعاصي مكروهة،و هي مع الكراهة مرادة،و الطاعات مرادة و هي مع كونها مرادة محبوبة و مرضية.أما الكفر و الشر،فلا نقول انه مرضى و محبوب،بل هو مراد.و قد قال اللّه تعالى وَ لاٰ يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ الْكُفْرَ [٢]فكيف يكون الفنا بالإضافة إلى محبه اللّه و كراهته كالبقاء؟فإنه تعالى يقول[١]«ما تردّدت في شيء كتردّدي في قبض روح عبدي المسلم،هو يكره الموت و أنا أكره مساءته،و لا بدّ له من الموت »فقوله لا بد له من الموت،إشارة إلى سبق الإرادة و التقدير المذكور في قوله تعالى نَحْنُ قَدَّرْنٰا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ [٣]و في قوله تعالى اَلَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ [٤]و لا مناقضة بين قوله تعالى
[١] البقرة ٢٤٥
[٢] الزمر ٧
[٣] الواقعة ٦٠
[٤] الملك ٢