إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٩ - و أما الآثار
[١]«من تزوّج فقد أحرز شطر دينه فليتّق اللّه في الشّطر الثّاني»و هذا أيضا إشارة إلى أن فضيلته لأجل التحرز من المخالفة،تحصنا من الفساد.فكان المفسد لدين المرء في الأغلب فرجه و بطنه،و قد كفى بالتزويج أحدهما.و قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«كلّ عمل ابن آدم ينقطع إلاّ ثلاث:ولد صالح يدعو له-الحديث»و لا يوصل إلى هذا إلا بالنكاح
و أما الآثار
فقال عمر رضى اللّه عنه:لا يمنع من النكاح الا عجز أو فجور.فبين أن الدين غير مانع منه،و حصر المانع في أمرين مذمومين.و قال ابن عباس رضى اللّه عنهما:لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج:يحتمل أنه جعله من النسك،و تتمة له،و لكن الظاهر أنه أراد به أنه لا يسلم قلبه لغلبة الشهوة إلا بالتزويج،و لا يتم النسك إلا بفراغ القلب،و لذلك كان يجمع غلمانه لما أدركوا عكرمة و كريبا و غيرهما و يقول:إن أردتم النكاح أنكحتكم، فان العبد إذا زنى نزع الإيمان من قلبه.و كان ابن مسعود رضى اللّه عنه يقول:لو لم يبق من عمري الا عشرة أيام لأحببت أن أتزوّج لكيلا ألقى اللّه عزبا .و مات امرأتان لمعاذ بن جبل رضى اللّه عنه في الطاعون،و كان هو أيضا مطعونا فقال:زوّجونى فانى أكره أن ألقى اللّه عزبا.و هذا منهما يدل على انهما رأيا في النكاح فضلا،لا من حيث التحرز عن غائلة الشهوة و كان عمر رضى اللّه عنه يكثر النكاح و يقول:ما أتزوّج إلا لأجل الولد.و كان بعض الصحابة قد انقطع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[٣]يخدمه،و يبيت عنده لحاجة ان طرقته،فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ألا تتزوّج؟فقال يا رسول اللّه انى فقير لا شيء لي،و أنقطع عن خدمتك،فسكت،ثم عاد ثانيا ،فأعاد الجواب ثم تفكر الصحابي و قال:و اللّه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أعلم بما يصلحني في دنياى و آخرتي،و ما يقربني إلى اللّه منى،