إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٠ - و حق الورع المتدين أن لا يدع الإيجاب و القبول
ابن سريج إلى تخريج قول للشافعي رحمه اللّه على و فقه.و هو أقرب الاحتمالات إلى الاعتدال فلا بأس لو ملنا إليه لمسيس الحاجات.و لعموم ذلك بين الخلق،و لما يغلب على الظن بان ذلك كان معتادا في الأعصار الأول فاما الجواب عن الاشكالين فهو أن نقول:
أما الضبط في الفصل بين المحقرات و غيرها فليس علينا تكلفه بالتقدير،فان ذلك غير ممكن.بل له طرفان واضحان،إذ لا يخفى أن شراء البقل،و قليل من الفواكه،و الخبز و اللحم من المعدود من المحقرات التي لا يعتاد فيها الا المعاطاة،و طالب الإيجاب و القبول فيه يعد مستقصيا،و يستبرد تكليفه لذلك و يستثقل،و ينسب إلى أنه يقيم الوزن لأمر حقير.و لا وجه له.فهذا طرف الحقارة.و الطرف الثاني الدواب و العبيد،و العقارات و الثياب النفيسة فذلك مما لا يستبعد تكلف الإيجاب و القبول فيها.و بينهما أوساط متشابهة يشك فيها،هي في محل الشبهة.فحق ذي الدين أن يميل فيها إلى الاحتياط.و جميع ضوابط الشرع فيما يعلم بالعادة،كذلك ينقسم إلى أطراف واضحة،و أوساط مشكلة .
و أما الثاني و هو طلب سبب لنقل الملك.فهو أن يجعل الفعل باليد أخذا و تسليما سببا.إذ اللفظ لم يكن سببا لعينه،بل لدلالته.و هذا الفعل قد دل على مقصود البيع دلالة مستمرة في العادة ،و انضم إليه مسيس الحاجة و عادة الأولين،و اطراد جميع العادات بقبول الهدايا من غير إيجاب و قبول،مع التصرف فيها،و أي فرق بين أن يكون فيه عرض أو لا يكون ؟إذ الملك لا بد من نقله في الهبة أيضا،إلا أن العادة السالفة لم تفرق في الهدايا بين الحقير و النفيس،بل كان طلب الإيجاب و القبول يستقبح فيه كيف كان،و في المبيع لم يستقبح في غير المحقرات.هذا ما نراه أعدل الاحتمالات
و حق الورع المتدين أن لا يدع الإيجاب و القبول
،للخروج عن شبهة الخلاف.فلا ينبغي أن يمتنع من ذلك لأجل أن البائع قد تملكه بغير إيجاب و قبول.فان ذلك لا يعرف تحقيقا،فربما اشتراه بقبول و إيجاب.فان كان حاضرا عند شرائه،أو أقر البائع به،فليمتنع منه،و ليشتر من غيره.فان كان الشيء محقرا،و هو إليه محتاج،فليتلفظ بالايجاب و القبول فإنه يستفيد به قطع الخصومة في المستقبل معه،إذ الرجوع من اللفظ الصريح غير ممكن،و من الفعل ممكن :