إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢١ - الآفة الثالثة
و النظر يقع أحيانا،و هو يخصه،و ينصرم على قرب.و النظر زنا العين و لكن إذا لم يصدقه الفرج فهو إلى العفو أقرب من أكل الحرام،الا أن يخاف إفضاء النظر إلى معصية الفرج،فيرجع ذلك إلى خوف العنت.و إذا ثبت هذا فالحالة الثالثة و هو أن يقوى على غض البصر،و لكن لا يقوى على دفع الأفكار الشاغلة للقلب أولى بترك النكاح لأن عمل القلب إلى العفو أقرب،و انما يراد فراغ القلب للعبادة و لا تتم عبادة مع الكسب الحرام و أكله و إطعامه فهكذا ينبغي أن توزن هذه الآفات بالفوائد،و يحكم بحسبها:و من أحاط بهذا لم يشكل عليه شيء مما نقلنا عن السلف من ترغيب في النكاح مرة،و رغبة عنه أخرى،إذ ذلك بحسب الأحوال صحيح .
فان قلت:فمن أمن الآفات فما الأفضل له التخلي لعبادة اللّه أو النكاح؟ فأقول يجمع بينهما ،لان النكاح ليس مانعا من التخلي لعبادة اللّه من حيث إنه عقد،و لكن من حيث الحاجة إلى الكسب.فان قدر على الكسب الحلال،فالنكاح أيضا أفضل،لأن الليل و سائر أوقات النهار يمكن التخلي فيه للعبادة،و المواظبة على العبادة من غير استراحة غير ممكن فان فرض كونه مستغرقا للاوقات بالكسب،حتى لا يبقى له وقت سوى أوقات المكتوبة و النوم و الأكل و قضاء الحاجة ،فان كان الرجل ممن لا يسلك سبيل الآخرة الا بالصلاة النافلة، أو الحج و ما يجرى مجراه من الأعمال البدنية،فالنكاح له أفضل،لان في كسب الحلال و القيام بالأهل،و السعي في تحصيل الولد،و الصبر على أخلاق النساء،أنواعا من العبادات لا يقصر فضلها عن نوافل العبادات.و ان كان عبادته بالعلم و الفكر و سير الباطن،و الكسب يشوش عليه ذلك،فترك النكاح أفضل .
فان قلت فلم ترك عيسى عليه السلام النكاح مع فضله،و ان كان الأفضل التخلي لعبادة اللّه فلم استكثر رسولنا صلّى اللّه عليه و سلم من الأزواج؟فاعلم ان الأفضل الجمع بينهما في حق من قدر،و من قويت منته،و علت همته،فلا يشغله عن اللّه شاغل.و رسولنا عليه