إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٨ - الفائدة الثانية التحصن عن الشيطان
و لعمري في الشهوة حكمة أخرى سوى الارهاق إلى الإيلاد،و هو ما في قضائها من اللذة التي لا توازيها لذة لو دامت،فهي منبهة على اللذات الموعودة في الجنان،إذ الترغيب في لذة لم يجد لها ذواقا لا ينفع،فلو رغب العنين في لذة الجماع،أو الصبي في لذة الملك و السلطنة،لم ينفع الترغيب .و إحدى فوائد لذات الدنيا،الرغبة في دوامها في الجنة ليكون باعثا على عبادة اللّه.
فانظر إلى الحكمة،ثم إلى الرحمة ،ثم إلى التعبية الإلهية كيف عبيت تحت شهوة واحدة حياتان،حياة ظاهرة و حياة باطنة،فالحياة الظاهرة حياة المرء ببقاء نسله،فإنه نوع من دوام الوجود،و الحياة الباطنة هي الحياة الأخروية،فان هذه اللذة الناقصة بسرعة الانصرام، تحرك الرغبة في اللذة الكاملة بلذة الدوام،فيستحث على العبادة الموصلة إليها فيستفيد العبد بشدة الرغبة فيها،تيسر المواظبة على ما يوصله إلى نعيم الجنان.و ما من ذرة من ذرات بدن الإنسان باطنا و ظاهرا،بل ذرات ملكوت السموات و الأرض،الا و تحتها من لطائف الحكمة و عجائبها ما تحار العقول فيها،و لكن انما ينكشف للقلوب الطاهرة بقدر صفائها و بقدر رغبتها عن زهرة الدنيا و غرورها و غوائلها.
فالنكاح بسبب دفع غائلة الشهوة مهم في الدين لكل من لا يؤتى عن عجز و عنة ،و هم غالب الخلق،فان الشهوة إذا غلبت و لم يقاومها قوة التقوى،جرت إلى اقتحام الفواحش و إليه أشار بقوله عليه السلام عن اللّه تعالى«إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض و فساد كبير» و ان كان ملجما بلجام التقوى،فغايته أن يكف الجوارح عن إجابة الشهوة،فيغض البصر، و يحفظ الفرج،فاما حفظ القلب عن الوسواس و الفكر،فلا يدخل تحت اختياره،بل لا تزال النفس تجاذبه و تحدثه بأمور الوقاع،و لا يفتر عنه الشيطان الموسوس إليه في أكثر الأوقات،و قد يعرض له ذلك في أثناء الصلاة،حتى يجرى على خاطره من أمور الوقاع ما لو صرح به بين يدي أخس الخلق لاستحيا منه،و اللّه مطلع على قلبه،و القلب في حق اللّه كاللسان في حق الخلق،و رأس الأمور للمريد في سلوك طريق الآخرة قلبه،و المواظبة على الصوم لا تقطع مادة الوسوسة في حق أكثر الخلق الا أن ينضاف إليه ضعف في البدن ، و فساد في المزاج،و لذلك قال ابن عباس رضى اللّه عنهما:لا يتم نسك الناسك إلا بالنكاح