فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٠
وفي هذا العصر بالذات ألّف أصحاب الصحاح الستّة ـ عند أهل السنّة ـ كتبهم وهي : صحيح البخاري ( ت/ ٢٥٦هـ ) ، وصحيح مسلم ( ت/ ٢٦١هـ ) ، وسنن ابن ماجة ( ت ٢٧٣هـ ) ، وسنن أبي داود ( ت/ ٢٧٥هـ ) ، وجامع الترمذي ( ت/ ٢٧٩هـ ) ، ومجتبى النسائي ( ت/ ٣٠٣هـ ) .
أمّا عن تطوّر الفقه والحديث الشيعيَّين في ذلك العصر ، فمن الصعب جدّاً استيفاء الحديث عنه في هذه العجالة ؛ لأنّهما فيه خلاصة لقرنين ونصف من الزمان لم تتوقّف فيها عجلة التدوين ، ويكفي أن بلغت مدوّنات الشيعة في تلك الفترة ـ وأغلبها في الفقه والحديث ـ أكثر من ستّة آلاف وستمائة كتاب على ما ضبطها الشيخ الحرّ العاملي رحمه اللّه تعالى (٦).
إذن ، عصر الشيخ علي بن بابويه هو عصر النهضة الفكرية بكل أبعادها ، وقد شملت جميع بلاد الإسلام خصوصاً المراكز العلمية فيها كبغداد والكوفة والري وقم ومصر والشام ومكة والمدينة .
بيئته :
لا شكّ أنّ للبيئة بموقعها العلمي ومركزها الثقافي آثاراً مهمّة في تحديد معالم التوجّه الفكري للنابغين فيها ، والبيئة التي استوطنها الشيخ علي بن بابويه رضي اللّه تعالى عنه قد تمتّعت بما لم يتمتّع بمثلها إلاّ القليل من حواضر العلم والدين في البلاد الإسلامية ، فهو قد عاش في مدينة قم المقدّسة ، تلك المدينة التي كانت من قلاع التشيّع المنيعة منذ نشوئها وإلى يومنا هذا (٧).
ويظهر أنّ مدينة قم التي استوطنها الصدوق الأوّل رضي اللّه تعالى عنه كانت في أوان عصر الغيبة وعهد نيابة النوّاب الأربعة رضي اللّه تعالى عنهم حافلة بعلماء الشيعة وفقهائهم ومحدّثيهم ، ومركزاً فقهياً كبيراً من مراكز البحث الفقهي (٨)بحيث استقطبت الفقهاء والمحدّثين من بلاد التشيّع العريضة .
(٦) خاتمة وسائل الشيعة ٣٠ : ١٦٥ ـ آخر الفائدة الرابعة.
(٧) ذكر في معجم البلدان في أثناء حديثه عن مدينة قم حكاية طريفة جرت بين والي قم وهو من أهل السنّة، وبين وجهاء القمّيين، ولا يبعد أن تكون موضوعة للتشهير بها على الشيعة إلاّ أنّها تدلّ على كون قم من حصون التشيّع المنيعة. انظر معجم البلدان ٤ : ٣٩٤ ـ ٣٩٧.
(٨) انظر مقدّمة تحقيق اللمعة للسيّد محمّد كلانتر ١ : ٤٤ ـ ٤٥.