عوالم العلوم و المعارف - البحراني الأصفهاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٣٥٠ - المسلك الثالث ما قاله الصدوق، من وجود القرينة في الكلام، على أنّ المراد بالمولى الأولى
و أمّا الدعاء بموالاة من والاه فليس بتلك المثابة، و إنّما يتمّ هذا لو ادّعى أحد أنّ اللفظ بعد ما اطلق على أحد معانيه لا يناسب أن يطلق ما يناسبه و يدانيه في الاشتقاق على معنى آخر، و كيف يدّعي ذلك عاقل مع أنّ ذلك ممّا يعدّ من المحسّنات البديعيّة؟
بل نقول: تعقيبه بهذا، يؤيّد ما ذكرناه، و يقوّي ما أسّسناه بوجوه:
الأوّل: إنّه لمّا أثبت (صلّى اللّه عليه و آله) له الرئاسة العامّة و الإمامة [الكبرى] و هي ممّا يحتاج إلى الجنود و الأعوان، و إثبات مثل ذلك لواحد من بين جماعة، ممّا يفضي إلى هيجان الحسد المورث لترك النصرة و الخذلان؛ لا سيّما أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان عالما بما في صدور المنافقين الحاضرين من عداوته و ما انطوى عليه جنوبهم من السعي في غصب خلافته (عليه السلام)، أكّد ذلك بالدعاء لأعوانه، و اللعن على من قصّر في شأنه، و لو كان الغرض محض كونه (صلّى اللّه عليه و آله) ناصرا لهم، أو ثبوت الموالاة بينه و بينهم كسائر المؤمنين، لم يكن يحتاج إلى مثل تلك المبالغات، و الدعاء له بما يدعى للامراء و أصحاب الولايات.
و الثاني: إنّه يدلّ على عصمته اللازمة لإمامته (عليه السلام)، لأنّه لو كان يصدر منه المعصية لكان يجب على من يعلم ذلك منه منعه و زجره، و ترك موالاته، و إبداء معاداته لذلك، و دعاء الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لكلّ من يواليه و ينصره، و لعنه على كلّ من يعاديه و يخذله، يستلزم عدم كونه أبدا على حال يستحقّ عليها ترك الموالاة و النصرة.
و الثالث: إنّه إذا كان المراد بالمولى، الأولى- كما نقوله- كان المقصود منه طلب موالاته و متابعته و نصرته من القوم، و إن كان المراد الناصر و المحبّ، كان المقصود بيان كونه (صلّى اللّه عليه و آله) ناصرا و محبّا لهم، فالدعاء لمن يواليه و ينصره، و اللعن على من يتركهما في الأوّل أهمّ، و به أنسب من الثاني، إلّا أن يؤول الثاني بما يرجع إلى الأوّل في المآل، كما أومأنا إليه سابقا.