عوالم العلوم و المعارف - البحراني الأصفهاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٣٤٠ - المسلك الثالث ما قاله الصدوق، من وجود القرينة في الكلام، على أنّ المراد بالمولى الأولى
إقراره بأنّا أولى به من نفسه، و لأنّ العرب أيضا إذا أمر منهم إنسان إنسانا بشيء، و أخذه بالعمل به، و كان له أن يعصيه فعصاه قال له:
يا هذا! أنا أولى بنفسي منك، إنّ لي أن أفعل بها ما اريد، و ليس ذلك لك منّي، فإذا كان قول الإنسان، «أنا أولى بنفسي منك» يوجب له أن يفعل بنفسه ما يشاء، إذا كان في الحقيقة أولى بنفسه من غيره، وجب لمن هو أولى بنفسه منه أن يفعل به ما يشاء، و لا يكون له أن يخالفه و لا يعصيه إذا كان ذلك كذلك.
ثمّ قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم»؟ فأقرّوا له بذلك، ثمّ قال متبعا لقوله الأوّل بلا فصل: «فمن كنت مولاه فعليّ مولاه».
فقد علم أنّ قوله «مولاه» عبارة عن المعنى الّذي أقرّوا له بأنّه أولى بهم من أنفسهم، فإذا كان إنّما عنى (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: «من كنت مولاه» أنّي أولى به، فقد جعل ذلك لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «فعليّ مولاه»؛ لأنّه لا يصلح أن يكون عنى بقوله: «فعليّ مولاه» قسما من الأقسام الّتي أحلنا أن يكون النبيّ عناها في نفسه، لأنّ الأقسام هي: أن يكون مالك رقّ، أو معتقا، أو معتقا أو ابن عمّ، أو عاقبة، أو خلفا أو قدّاما، فإذا لم يكن لهذه الوجوه فيه (صلّى اللّه عليه و آله) معنى لم يكن لها في عليّ (عليه السلام) أيضا معنى.
و بقي ملك الطاعة، فثبت أنّه عناه، و إذا وجب ملك طاعة المسلمين لعليّ (عليه السلام) فهو معنى الإمامة، لأنّ الإمامة إنّما هي مشتقّة من الايتمام بالإنسان، و الايتمام هو الاتّباع و الاقتداء، و العمل بعمله و القول بقوله، و أصل ذلك في اللّغة:
سهم يكون مثالا يعمل عليه السهام، و يتّبع بصنعه صنعها و بمقداره مقدارها؛ فإذا وجبت طاعة عليّ (عليه السلام) على الخلق استحقّ معنى الإمامة.
فإن قالوا: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما جعل لعليّ (عليه السلام) بهذا القول فضيلة شريفة، و إنّها ليست الإمامة.
قيل لهم: هذا في أوّل تأدّي الخبر إلينا، قد كانت النفوس تذهب إليه، فأمّا