المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١١٧ - محاسن التيقظ
و خصيانا بقيمة ألف و خمس مائة دينار سوى نتاج قد اتخذه، فهات ما عندك من الجواب! فقلت: ما عندي يا أمير المؤمنين جواب، قال: أ لم أعلمك؟ثم قال: و أكبر من هذا و أطم أني فزعت إلى علي بن هشام في رجل أوليه القضاء فقال: قد أصبت واحدا و اللّه يشهد أنه سرني و رجوت أن يكون بحيث أحب، قلت. فاغد به علي، قال: أفعل، ثم غدا، فقلت: أين الرجل؟فقال: لم أجده في الفقه بالموضع الذي يجب أن يتصل صاحبه بأمير المؤمنين، قال:
فأنكرت عليه و أظهرت الغضب، فقال: يا أمير المؤمنين إن الرجل الذي ذكرته لك بالأمس هو علي بن مقاتل و كان عندي من أهل العفاف و الستر، فانصرفت بالأمس على أن أحضره، فوجهت إليه و أنا لا أشك أنه سيظهر الكراهية في ما أراد له أمير المؤمنين و إن كان يستبطن غيرها و يستعفي كفعل من يتصنع أو يكره ذلك بالحقيقة، فلما جاءني ألقيت إليه الذي أردته له فما تمالك أن وثب فقبل رأسي، فعلمت أنه لا خير عنده و أنه لو كان من أهل الفضل و الخير لعد الذي دعي إليه إحدى المصائب، فلم أر لنفسي أن أحضره و لا أن يستعان بمثله، فقلت:
جزاك اللّه خيرا عن إمامك أحسن ما جزى امرأ عن إمامه و عن دينك و نفسك، قال بشر: فبهت و انقطعت و لم أحر كلمة.
فقال: لا و لكن إن أردت العفيف النظيف الزاكي التقي الطاهر فقاضي الري هو بالحالة التي فارقته عليها و اللّه ما غير و لا بدل، فأما قولكم في يحيى بن أكثم فما ندري ما عيبه إلا أن ظاهره أنه أعف خلق اللّه عن الصفراء و البيضاء، ميل إلينا من أموال الحشوية [١] أربع مائة ألف دينار، فأي نفس تسخو بهذا؟قال بشر: فقلت يا أمير المؤمنين ما لك في الخلفاء شبيه إلا عمر بن الخطاب فإنه كان يفحص عن عماله و عن دفين أسرار حكامه فحصا شافيا، فكان لا يخفى عليه ما يفيد كل امرئ و ما ينفق، و كان من نأى عنه كمن دنا منه في بحثه و تنقيره، فقال المأمون: إن أهم الأمور كلها أمور القضاء و الحكام إذ كنا قد ألزمناهم النظر في الدماء و الأموال و الفروج و الأحكام فوددت أني أجد مائة حاكم و أني أوع يوما و أشبع يوما.
حمدون بن إسماعيل النديم قال: حضر العيد فعبّى المعتصم باللّه خلية تعبية لم يسمع بمثلها و لم ير لأحد من ولد العباس شبيه بها، و أمر بالطريق فمسح من باب قصره إلى المصلى ثم قسم ذلك على القواد و أعطى كل واحد منهم مصافه، فلما كان قبل الفطر بيوم حضر القواد و أصحابهم في أجمل زي و أحسن هيأة فلزموا مصافهم منذ وقت الظهر إلى أن ركب المعتصم باللّه إلى المصلى، فكان الموضع الذي وقع لإبراهيم بن المهدي من بعد الحرسي بحذاء مسجد الخوارزمي و إبراهيم واقف و أصحابه في المصاف، فلما أصبح المعتصم أمر
[١] الحشوية: فرقة مشبهة من أصحاب الحديث.