المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٦٤ - محاسن كلام الحسن بن علي رضي اللّه عنه
الحسن بن علي و عبد اللّه بن عباس لقصرا من اعنتكما ما طال، فقال زياد: و كيف ذلك يا أمير المؤمنين، ما يقومان لمروان بن الحكم في غرب منطقه و لا لنا في بواذخنا [١] ؟فابعث إليهما في غد حتى نسمع كلامهما. فقال معاوية لعمرو: ما تقول؟قال هذا: فابعث إليهما في غد، فبعث إليهما معاوية ابنه يزيد، فأتياه و دخلا عليه و بدأ معاوية فقال: إني أجلكما و أرفع قدركما عن المسامرة بالليل و لا سيما أنت يا أبا محمد فإنك ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و سيد شباب أهل الجنة. فتشكرا له، فلما استويا في مجلسهما و علم عمرو أن الحدة ستقع به قال: و اللّه لا بد أن أقول فإن قهرت فسبيل ذلك و إن قهرت أكون قد ابتدأت. فقال: يا حسن إنا تفاوضنا فقلنا إن رجال بني أمية أصبر عند اللقاء و أمضى في الوغى و أوفى عهدا و أكرم خيما و أمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب. ثم تكلم مروان فقال: و كيف لا تكون كذلك و قد قارعناكم فغلبناكم، و حاربناكم فملكناكم، فإن شئنا عفونا و إن شئنا بطشنا. ثم تكلم زياد فقال: ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله و يجحدوا الخير في مظانه، نحن أهل الحملة في الحروب و لنا الفضل على سائر الناس قديما و حديثا. فتكلم الحسن، رضي اللّه عنه، فقال: ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجة و لكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا [٢] و يصور الباطل بصورة الحق يا عمرو أفتخارا بالكذب و جراءة على الإفك!ما زلت أعرف مثالبك الخبيثة أبديها مرة و أمسك عنها أخرى فتأبى إلا انهماكا في الضلالة، أتذكر مصابيح الدجى و أعلام الهدى و فرسان الطراد و حتوف الأقران و أبناء الطعان و ربيع الضيفان و معدن النبوة و مهبط العلم و زعمتم أنكم أحمى لما وراء ظهوركم و قد تبين ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال و تساورت الأقران و اقتحمت الليوث و اعتركت المنية و قامت رحاؤها على قطبها و فرت عن نابها و طار شرار الحرب فقتلنا رجالكم و منّ النبي صلى اللّه عليه و سلم، على ذراريكم فكنتم لعمري في هذا اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم من بني عبد المطلب!ثم قال: و أما أنت يا مروان فما أنت و الإكثار في قريش و أنت طليق و أبوك طريد يتقلب من خزاية إلى سوأة و لقد جيء بك إلى أمير المؤمنين، فلما رأيت الضرغام قد دميت براثنه و اشتبكت أنيابه كنت كما قال:
ليث إذا سمع الليوث زئيره # بصبصن ثم قذفن بالأبعار
و يروى رمي بالأبعار.
فلما منّ عليك بالعفو و أرخى خناقك بعد ما ضاق عليك و غصصت بريقك لا تقعد معنا مقعد أهل الشكر و لكن تساوينا و تجارينا و نحن ممن لا يدركنا عار و لا يلحقنا خزاية!ثم التفت
[١] البواذخ: مأخوذة من كلمة بذخ إذا تطاول الرجل بكلامه و افتخاره.
[٢] الخنا: الافتراء و كلام الزور.