المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٠ - محاسن الكتب
١٠
كََاتِبِينَ [الانفطار: ١١]و قال: وَ أَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ وَرََاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠]و قال: اِقْرَأْ كِتََابَكَ كَفىََ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: ١٤]و لو لم تكن تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان و لكنه تعالى جده علم أن نسخه أوكد و أبلغ و أهيب في الصدور فقال جلّ ذكره:
إِنََّا كُنََّا نَسْتَنْسِخُ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩]و لو شاء اللّه أن يجعل البشارات بالمرسلين على الألسنة و لم يودعها الكتب لفعل، و لكنه تبارك و تعالى علم أنّ ذلك أتمّ و أبلغ و أكمل و أجمع.
و في قول سليمان، عليه السلام: اِذْهَبْ بِكِتََابِي هََذََا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ [النمل: ٢٨].
و قد كان عنده من يبلغ الرسالة على تمامها من عفريت و إنسيّ و غيرهما، فرأى الكتاب أبهى و أحسن و أكرم و أفخم و أنبل من الرسالة، و لو شاء النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أن لا يكتب إلى قيصر و كسرى و النّجاشيّ و المقوقس و إلى بني الجلندي [١] و إلى العباهلة من حمير و إلى هوذة و الملوك العظماء و السادة النّجباء لفعل و لوجد المبلغ المعصوم من الخطإ و الزّلل و التّبدّل، و لكنّه صلّى اللّه عليه و سلّم علم أنّ الكتاب أشبه بتلك الحالة و أليق بتلك المراتب و أبلغ في تعظيم ما حواه الكتاب، و حمله إن كثر ورقه فليس ممّا يملّ لأنه إن كان كتابا واحدا فإنّه كتب كثيرة.
فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأوّل حتى يهجم على الثاني و لا الثالث حتى يهجم على الرابع، فهو أبدا مستفيد و مستطرف، و بعضه يكون حاثّا لبعض، و لا يزال نشاطه زائدا متى خرج من أثر صار في خبر حتى يخرج من خبر إلى شعر و من الشعر إلى النوادر و من النوادر إلى نتف و إلى مواعظ حتى يفضي به إلى مزح و فكاهة و ملح و مضاحك و خرافة.
و كانوا يجعلون الكتاب نقرا في الصّخور و نقشا في الحجارة و حلقة مركبة في البنيان، و ربّما كان الكتاب هو الناتئ و ربّما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخا لأمر جسيم أو عهدا لأمر عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبّة غمدان [٢] و على باب القيروان و على باب سمرقند و على عمود مأرب و على ركن المشقّر [٣] و على الأبلق الفرد [٤] من تيماء و على باب الرّهاء [٥] . يعمدون إلى المواضع الرّفيعة المشهورة
[١] بنو الجلندي من أشراف اليمن.
[٢] غمدان بضم أوله و سكون ثانيه و آخره نون، اسم قصر بناه يشرح بن يحصب.
[٣] المشقّر مأخوذ من الشقرة و هي الحمرة أو من الشقر و هي شقائق النعمان قال ابن الفقيه هو حصن بين نجران و البحرين يقال إنه من بناء طسم.
[٤] الأبلق بوزن الأحمر حصن السموأل بن عادياء اليهودي و هو المعروف بالأبلق الفرد مشرف على تيماء بين الحجاز و الشام.
[٥] الرهاء بضم أوله و المد و القصر: مدينة بالجزيرة بين الموصل و الشام بينهما ستة فراسخ سميت باسم الذي استخدمها-
غ