المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٨٩ - محاسن الوفاء
و منهم وزير ملك الصين، و كان حديثه أن شمر بن أفريقيس بن أبرهة خرج في خمس مائة ألف مقاتل إلى أرض الصين، فلما قارب بلادهم بلغ ذلك ملك الصين فجمع وزراءه فاستشارهم، فقال رئيسهم: أيها الملك أثّر فيّ أثرا و خلني ورائي. فأمر به فجدع أنفه، فقام هاربا مستقبلا لشمر، فوافاه على أربعة منازل بعد خروجه من مفاوز الصين فدخل عليه و قال:
أني أتيتك مستجيرا!قال شمر: ممن؟قال: من ملك الصين لأني كنت رجلا من خاصة وزرائه و انه جمعنا لما بلغه مسيرك إليه فاستشارنا فأشار القوم جميعا بمحاربتك و خالفتهم في رأيهم و أشرت عليه أن يعطيك الطاعة و يحمل إليك الخراج، فاتهمني و قال: قد مالأت ملك العرب، و كان منه إلي ما ترى و لم آمنه مع ذلك أن يقتلني فخرجت هاربا إليك، ففرح به شمر و أنزله معه في رحله و أوعده من نفسه خيرا، فلما أصبح و أراد أن يرحل قال لذلك الرجل: كيف علمك بالطريق؟قال: أنا من أعلم الناس به. قال: فكم بيننا و بين الماء؟قال: مسيرة ثلاثة أيام و أنا موردك يوم الرابع على الماء، فأمر جنوده بالرحيل و نادى فيهم أن لا تحملوا من الماء إلا لثلاثة أيام، ثم سار في جنوده و الرجل بين يديه، فلما كان يوم الرابع انقطع بهم الماء و اشتد الحر فقال: لا ماء و إنما كان ذلك مكر مني لأدفعك بنفسي عن ملكي!فأمر به فضربت عنقه، فعطش القوم، و قد كان المنجمون قالوا لشمر عند مولده أنه يموت بين جبلي حديد، فوضع درعه تحت قدميه من شدة الرمضاء و وضع ترسا من حديد على رأسه من حر الرمضاء، فذكر ما كان قيل له في ولادته و قال للقوم: تفرقوا حيث أحببتهم فقد أورطتكم، فهلك و جميع من كان معه.
و حكي أنه لما حمل رأس مروان بن محمد الجعدي إلى أبي العباس و هو بالكوفة قعد له مجلسا عاما و جاءوا بالرأس فوضع بين يديه فقال لمن حضره: أمنكم أحد يعرف هذا الرأس؟ فقام سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة فأكب عليه و تأمله طويلا ثم قال: هذا رأس أبي عبد الملك خليفتنا بالأمس، رحمه اللّه، و عاد إلى مجلسه، فوثب أبو العباس حتى خرج من المجلس و انصرف ابن جعدة و تحدث الناس بكلامه، فلامه بنوه و أهله و قالوا: عرضتنا و نفسك للبوار!فقال: اسكتوا قبحكم اللّه!أ لستم أشرتم عليّ بالأمس بحران [١] بالتخلف عن مروان ففعلت ذلك غير فعل ذي الوفاء و الشكر و ما كان ليغسل عار تلك الفعلة إلا هذه، و إنما أنا شيخ هامة فإن نجوت يومي هذا من القتل مت غدا!قال: و جعل بنوه يتوقعون رسل أبي العباس أن تطرقه في جوف الليل، فأصبحوا و لم يأته أحد و غدا الشيخ فإذا و هو بسليمان بن مجالد فلما أبصره قال: يا ابن جعدة أ لا أبشرك بحسن رأي أمير المؤمنين فيك؟إنه ذكر في هذه الليلة ما
[١] حران قرية من قرى حلب.
غ