المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٢ - محاسن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم
و لا غرس نخلا و لا شق نهرا و لا استنبط عينا و اعتبر برديه اللذين كان يلبسهما و خاتمه.
و كان صلى اللّه عليه و سلم، يأكل على الأرض و يلبس العباءة و يجالس الفقراء و يمشي في الأسواق و يتوسد يده و لا يأكل متكيا و يقتص من نفسه، و كان صلى اللّه عليه و سلم، يقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد و أشرب كما يشرب» [١] «و لو دعيت إلى ذراع لأجبت و لو أهدي إليّ كراع لقبلت» [٢] و لم يأكل قط و لا ضرب عبده، و لم ير صلى اللّه عليه و سلم، أدار رجله بين يدي أحد و لا أخذ بيده أحد فانتزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها.
و أما كرمه صلى اللّه عليه و سلم، في فتح مكة و قد قتلوا أعمامه و رجاله و أولياءه و أنصاره و آذوه و أرادوا نفسه فكان يلتقي السفه بالحلم و الأذى بالاحتمال، و كان متى كان أكرم و عنهم أصفح كانوا ألأم و عليه ألح، و العجب أنهم كانوا أحلم جيل إلا فيما بينهم و بينه فإنهم كانوا إذا ساروا إليه أفحشوا عليه و أفرطوا في السفه و رموه بالفرث و الدماء و ألقوا على طريقه الشوك و حثوا في وجهه التراب، و كان لا يتولى هذا منه إلا العظماء و الأخوال و الأعمام و الأقرب فالأقرب.
فإذا كانوا كذلك كان أشد للغيظ و أثبت للحقد، فلما دخل صلى اللّه عليه و سلم، مكة قام فيهم خطيبا فحمد اللّه، عز و جل، و أثنى عليه ثم قال: أقول كما قال اخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم و هو أرحم الراحمين. و أما محاسن قوله الحق فإنه ذكر زيد بن صوحان فقال:
زيد و ما زيد، يسبقه عضو منه إلى الجنة، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل اللّه و وعد أصحابه بيضاء أصطخر [٣] و بيضاء المدائن و قال لعدي بن حاتم: لا يمنعك ما ترى، يعني ضعف أصحابه و جهدهم، فكأنهم بيضاء المدائن قد فتحت عليهم، و كأنهم بالظعينة تخرج من الحيرة حتى تأتي مكة بغير خفير، فأبصر ذلك كله عدي و قال لعمار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباغية» [٤] فكان كما قال حتى قال معاوية: إنما قتله من أخرجه.
و ضلت ناقته صلى اللّه عليه و سلم، فأقبل يسأل عنها فقال المنافقون: هذا محمد يخبرنا عن خبر السماء و هو لا يدري أين ناقته!فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: إن رجلا يقول في بيته إن محمدا يخبرنا عن خبر السماء و هو لا يدري أين ناقته، ألا و إني لا أعلم إلا ما علمني ربي عز
[١] كنز العمال (ج ١٥، حديث رقم ٤٠٧٠٨) و الشفاء للقاضي عياض (١/٢٨٩) بلفظ قريب.
[٢] رواه البخاري في كتاب الهبة و فضلها باب (٢) .
[٣] إصطخر: بالكسر و سكون الخاء بلدة بفارس من الإقليم الثالث و هي ممن أعيان حصون فارس و مدنها.
[٤] الحديث رواه أحمد في مسنده (ج ١٠) حديث رقم (٢٦٦٢٥) ، و الهندي في كنز العمال حديث رقم (٢٣٧٣٦) .