المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٣٥ - محاسن كرم الصحبة
يديه رجل مكبل بالحديد، لما حضر قال: يا عباس خذ هذا إليك و استوثق منه و لا يفوتنك و بكر به و احذر كل الحذر. قال العباس: فدعوت جماعة حملوه و لم يقدر يتحرك فقلت في نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يحب أن يكون معي إلا في بيتي، ثم سألته عن قصته و حاله من أين هو، فقال: من دمشق، فقال: جزى اللّه دمشق و أهلها خيرا، فمن أنت من أهلها؟قال: لا تزيد أن تسألني، فقلت: أ تعرف فلانا؟فقال: و من أين عرفت ذلك الرجل؟فقلت: كانت لي قصة معه، فقال: ما أنا بمعرفك خبره أو تعرفني قصتك، فقلت: ويحك!كنت مع بعض الولاة بها فخرج علينا أهلها حتى أراد الوالي أن يدلى في زنبيل [١] من قصر الحجاج و هرب هو و جميع أصحابه و هربت فيمن هرب، فإني لفي بعض الطريق إذا جماعة يعدون خلفي، فما زلت أحاضرهم حتى مررت على هذا الرجل الذي ذكرته لك و هو جالس على باب داره فقلت: أغثني أغاثك اللّه!فقال: لا بأس عليك ادخل الدار، فدخلت، فقالت لي امرأته: ادخل الحجلة [٢] فدخلتها، و أتت الرجال خلفي فما شعرت إلا به و هم معه يقولون: هو و اللّه عندك!فقال: دونكم الدار، ففتشوها حتى لم يبق إلا البيت الذي كنت فيه، فقالوا: هاهنا، فصاحت المرأة و انتهرتهم، فانصرفوا و خرج الرجل فجلس على باب داره ساعة و أنا قائم في الحجة خائفا، فقالت المرأة: اجلس لا بأس عليك، فجلست، فلم ألبث أن دخل الرجل و قال: لا تخف فقد صرت إلى الأمن و الدعة إن شاء اللّه تعالى، فقلت له: جزال اللّه عني خيرا!ثم ما زال يعاشرني أحسن المعاشرة و أجملها و لا يفتر من القصف و الأكل و الشرب و الفرح أربعة أشهر إلى أن سكنت الفتنة و هدأت، فقلت له: أ تأذن لي في الخروج لأتعرف خبر غلماني و منزلي فلعلي أن أقف لهم على أثر أو خبر، فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت و طلبت غلماني فلم أر لهم أثرا فرجعت إليه و أعلمته الخبر و هو مع هذا لا يعرفني و لا يعرف اسمي و لا مخاطبتي بغير الكنية، ثم قال لي: ما تعزم؟فقلت: قد عزمت على الشخوص إلى بغداد فإن قافلة تخرج بعد ثلاثة أيام و قد تفضلت علي هذه المدة فأسألك أن تعطيني ما أنفقه في طريقي و ما ألبسه، فقال: بصنع اللّه عز و جل، ثم قال لغلام له أسود: انعل الفرس الفلاني، و تقدم إلى من في منزله بإعداد السفر، فقلت في نفسي: ما أشك إلا أنه يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي، فوقعوا يومهم ذلك في تعب و كد، فلما كان يوم خروج القافلة جاءني في السحر و قال: يا أبا فلان قم فإن القافلة تخرج الساعة و أكره أن تنفرد عنها، فقلت في نفسي: ما أعطاني شيئا مما سألته، ثم قمت فإذا هو و امرأته يحملان إلي
[١] الزنبيل الجراب الذي يحمل فيه.
[٢] الحجلة مثل القبة و حجلة العروس بيت يزين بالثيابب و الأسرة.