المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٨٩ - مساوئ منع الشعراء و البخل
و لا يسيغه، فجعلا يضحكان، ففطن و أخذ السيف و قام و إليهما فقال لهما: إن أكلتماه و إلا قتلتكما، فامتنعا، فضرب أحدهما فأبان رأسه، و تناوله الآخر فأكل منه، فقال فيهم الشاعر:
نشدتك يا فزار و أنت شيخ # إذا خبّرت تخطئ في الخيار
أ صيحانيّة أدمت بسمن # أحبّ إليك أم جلد الحمار
فقالت بنو فزارة: منكم يا بني هلال من سقى إبله فلما رويت سلح في الحوض و قذره بخلا فقضى أنس بن مدرك على الهلاليين و أخذ الفزاريون منهم مائة بعير، و كانوا تراهنوا عليها، و في بني هلال يقول الشاعر:
لقد جلّلت خزيا هلال بن عامر # بني عامر طرّا بسلحة قاذر
فأف لكم تدركوا الفخر بعدها # بني عامر أنتم شرار المعاشر
و في المثل: هو أبخل من نار الحباحب، و هو رجل كان في الجاهلية كان من بخله أنه كان يسرج السراج فإذا أراد أحد أن يأخذ منه أطفأه فضرب به المثل.
و منهم صاحب نجيح بن سليف اليربوعي، فإنه ذكر أن نجيحا خرج يوما إلى الصيد فعرض له حمار وحش فاتبعه حتى دفع إلى أكمة فإذا هو برجل أعمى أسود قاعد في أطمار بين يديه ذهب و فضة و در و ياقوت، فدنا منه نجيح فتناول منها بعضها، فلم يستطع أن يحرك يده حتى ألقاها، فقال: يا هذا ما الذي بين يديك و كيف تستطيع حمله، أ لك هو أم لغيرك؟فإني أعجب مما أرى!أجواد أنت فتجود لنا أم بخيل فأعذرك؟فقال الأعمى: كيف تطلب مال رجل قد غاب منذ سنتين و هو سعد بن خشرم بن شماس؟فأتني بسعد يعطك ما تشاء. فانطلق نجيح مسرعا قد استطير فؤاده حتى وصل إلى محلته و دخل خباءه فوضع رأسه و نام لما به من الغم لا يدري من سعد، فأتاه آت في منامه فقال له: يا نجيح إن سعد بن خشرم في حي محلم من ولد ذهل بن شيبان، فخرج و سأل عن بني محلم ثم سأل عن خشرم فإذا هو بشيخ قاعد على باب خبائه، فحياه نجيح فرد عليه. فقال له نجيح: من أنت؟قال: خشرم بن شماس. قال: و أين ابنك؟قال: خرج في طلب نجيح بن سليف اليربوعي و ذلك أن آتيا أتاه في منامه فحدثه أن مالا له في نواحي بني يربوع لا يعلم به إلا نجيح فضرب نجيح بطن فرسه و هو يقول:
أ يطلبني من قد عناني طلابه # فيا ليتني ألقاك سعد بن خشرم
أتيت بني يربوع تطلبني به # و قد جئت كي ألقاك حيّ محلّم
فلما دنا من محلته استقبل سعدا فقال له: أيها الراكب هل لقيت سعدا في بني يربوع؟ قال: أنا سعد فهل تدل على نجيح؟قال: أنا نجيح، و حدثه بالحديث ثم قال: «الدال على الخير كفاعله» و هو أول من قاله. فانطلقا حتى أتيا ذلك المكان، فتوارى الرجل حين أبصرهما