المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٠٧ - محاسن الدهاء و الحيل
الصلاة، فلما رجع مر بالعراقي في منزله فقام إليه و قبل يده و سلم عليه و استكثر منه، فرأى أدبا و ظرفا و حلاوة و فصاحة فأعجب به و سر بنزوله عليه، فجعل العراقي يبعث كل يوم بلطف إلى عبد اللّه و بطرف، فقال عبد اللّه: جزى اللّه ضيفنا هذا خيرا فقد ملأنا شكرا و أعيانا عن مجازاته، فإنهما لكذلك إذ دعاه عبد اللّه و دعا بعمارة و جواريه، فلما تعشيا و طاب لهما و سمع غناء عمارة تعجب و جعل يزيد في عجبه إذ رأى ذلك يسر عبد اللّه إلى أن قال له: رأيت مثل عمارة؟ قال: لا و اللّه يا سيدي ما رأيت مثلها و ما تصلح إلا لك و ما ظننت أنه يكون في الدنيا مثل هذه حسن وجه و حذق عمل!قال: كم تساوي عندك؟قال: ما لها من ثمن إلا الخلافة، قال: تقول هذا لما ترى من رأيي فيها و لتجلب سروري!قال: و اللّه يا سيدي إني لأحب سرورك و ما قلت لك إلا الجد، و بعد فإني رجل تاجر أجمع الدرهم إلى الدرهم طلبا للربح و لو أعطيتها بعشرة آلاف دينار لأخذتها، قال عبد اللّه: بعشرة آلاف دينار؟قال: نعم، و لم يكن في ذلك الزمان جارية بعشرة آلاف دينار، قال عبد اللّه كالمازح: أنا أبيعكها بعشرة آلاف دينار!قال: قد أخذتها، قال هي لك، قال: قد وجب البيع، و انصرف العراقي. فلما أصبح لم يشعر عبد اللّه إلا و المال قد وافاه، فقال عبد اللّه: بعث العراقي بالمال. قالوا: نعم بعشرة آلاف دينار و قال هذه ثمن عمارة، فردها إليه و قال: إنما كنت أمزح معك و ما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها، قال: جعلت فداك إن الجد و الهزل في البيع سواء!قال له عبد اللّه: ويحك لا أعلم موضع جارية تساوي ما بذلت و لو كنت بائعها من أحد لآثرتك و لكني كنت أمازحك و ما أبيعها بملك الدنيا لحرمتها بي و موقعها من قلبي، قال له العراقي: فإن كنت مازحا فإني كنت جادا، و ما اطلعت على ما في نفسك، و قد ملكت الجارية و بعثت بالثمن و ليست تحل لك و ما من أخذها بد، فمنعه إياها، فخرج العراقي و هو يقول: أستحلفك في مجلس أمير المؤمنين، فلما رأى عبد اللّه الجد منه قال: بئس الضيف!ما طرقنا طارق و لا نزل بنا ضيف أعظم بلية علينا منك، تحلفني فيقول الناس اضطهده و قهره و ألجأه إلى أن استحلفه، أما و اللّه ليعلمن أني سأبلي في هذا الأمر الصبر و حسن العزائم و جميل العزاء!ثم أمر قهرمانه بقبض المال و تجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب و الخدم و الطيب و المركب، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، ثم سلمها إلى قهرمانه و قال: أوصل الجارية إليه مع ما معها و قل هذا لك و لك عندنا عوض مما ألطفتنا به، فقبض العراقي الجارية و خرج، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة إني و اللّه ما ملكتك قط و لا أنت لي و لا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، و ما كنت لأقدم على عبد اللّه بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي و لكني دسيس من قبل أمير المؤمنين يزيد و أنت له و في طلبك بعثني فاستتري مني فإن دخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد و قد استخلف ابنه معاوية، فأقام