المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٤ - محاسن الكتب
كتابا فأجد اهتزازي فيه من الفوائد و الأريحية التي تعتادني و تعتريني من سرور الاستنباه و عز التبيين أشد إيقاظا من نهيق الحمار و هدة الهدم، و إني إذا استحسنت كتابا و استجدته رجوت فيه فائدة، فلو تراني ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه مخافة استنفاده و انقطاع المادة من قبله، و إن كان الكتاب عظيم الحجم و كان الورق كبير القدر.
و ذكر له العتبي [١] كتابا لبعض القدماء و قال: لو لا طوله لنسخته، فقال: ما رغبتي إلا فيما زهدت عنه، و ما قرأت كتابا كبيرا فأخلاني من فائدة و لا أحصي كم قرأت من صغار الكتب فخرجت منها كما دخلت فيها.
قال ابن داحة: كان عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، لا يجالس الناس و نزل مقبرة من المقابر و كان لا يكاد يرى إلا و في يده كتاب يقرأ فيه، فسئل عن ذلك و عن نزوله المقبرة فقال: لم أر أوعظ من قبر و لا آنس من كتاب و لا أسلم من الوحدة.
و قيل لابن داحة و قد أخرج إليه كتاب أبي الشمقمق [٢] و هو في جلود كوفية و ورقتين طابقتين لا بخط عجيب فقال: لقد ضيع درهمه صاحب هذا الكتاب، و قال: و اللّه إن القلم ليعطيكم مثل ما تعطونه و لو استطعت أن أتودعه سويداء قلبي و أجعله مخطوطا على ناظري لفعلت.
و قال: بعضهم كنت عند بعض العلماء و كنت أكتب عنه بعضا و أدع بعضا فقال لي:
اكتب كل ما تسمع فإن أخس ما تسمع خير من مكانه أبيض، و قيل:
أما لو أعي كلّ ما أسمع # و أحفظ من ذاك ما أجمع
و لم أستفد غير ما قد جمعت # لقيل هو العالم المقنع
و لكنّ نفسي إلى كل نوع # من العلم تسمعه تجزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمعت # و لا انا من جمعه أشبع
و من لثّ في علمه هكذا # ترى دهره القهقرى يرجع
إذا لم تكن حافظا واعيا # فجمعك للكتب لا ينفع
و قال بعضهم: الحفظ مع الإقلال أمكن و مع الإكثار أبعد و هو للطبائع مع رطوبة القضيب أقبل، و منها قول الشاعر:
قثم غضب عليه المتوكل فنفاه إلى خراسان.
[١] العتبي: محمد بن عبد الجبار العتبي من عتبة بن غزوان مؤرخ من الكتاب الشعراء أصله من الرّي انتهت إليه رئاسة الإنشاء في خراسان و العراق.
[٢] مروان بن محمد شاعر هجاء من أهل البصرة خراساني الأصل