المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٤٠٤ - مساوئ عقوق البنين
فأطرق الأكبر ما يترمرم بحرف. فقال المأمون: تكلم. قال: يا سيّدي بلساني كلّه أو كما يتكلّم الذليل بين يدي مولاه حتى يترك حجّته و يسكت عن إيضاح جوابه مهابة لسيّده؟قال:
تكلّم بما عندك. فقال: يا أمير المؤمنين هل حمدت رأي أبينا و حمدت مذهبه و علمه؟قال:
نعم.
قال: فأعتق ما يملك و طلق ما يطأ طلاق الحرج و السّنّة و صدّق بما حوى و عليه ثلاثون حجّة مع ثلاثين نذرا يبلغ به الكعبة إن لم يكن أبوه على طلب سكّر طبرزد فلم يوجد في خزانته و لم يكن وقتا يوجد فيه سكّر و لا يقدر على ابتياع شيء منه. فقال: فيم يصلح للخزانة التي ليس فيها سكر؟ثمّ قال: الحمد للّه ربّ العالمين و لا أقول إنّا للّه و إنّا إليه راجعون و إن كانت المصيبة لأنّ ذلك إنّما يقال عند المصائب في الأنفس و لكني أحمده على السّرّاء و الضرّاء و الشدّة و الرخاء كما حمده الشاكرون و أنا أرجو أن أكون منهم. ثمّ أقبل على الخازن فقال:
ادع الوكيل. فدهاه. فقال: ما منعك إذ فني السكّر أن يشتري لنا سكّر؟قال: لم يعلمني الخازن. فقال للخازن: لم لم تعلمه؟قال: كنت على أن أعلمه. قال: ما هاهنا شيء هو أبلغ في عقوبتكما من أن أقوم على إحدى رجليّ و أن لا أضع الأخرى و لا أرواح بينهما حتى تحضروني ألف منّ سكّر طبرزد ليس بمضرّس و لا وسخ و لا ليّن المكسر و لا بمحدث الصنعة و لا معوجّ القالب. ثمّ وثب فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخََافُونَ يَوْماً كََانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً [الإنسان: ٧]، و اللّه و اللّه لا أزال قائما حتى أوفي بنذري. قال: فتبادر غلمانه و مواليه و بعض أولاده و عجائزه نحو السوق فواحد ينبّه حارسا و آخر يرمي كلبا و آخر يفتح دربا و آخر يوقظ نائما و آخر يدعو بائعا و الغلمان و الجواري و الجيران و السوقة و الحرّاس في مثل صيحة يوم القيامة، ثمّ قال: يا قوم أ ما لي من أهلي مساعد؟أين البنات العواتق و الأبكار؟أين اللواتي كنت أغذوهنّ بطيّب الطعام و ليّن اللباس يسرحن فيما ادّعين من خفض العيش و غضارة الزهر؟أين أمّهات الأولاد اللواتي اعتقدن العقد النفيسة و ملكن الرغائب بعد الحال الخسيسة؟أين الأولاد الذكور الذين لهم نسعى و نحفد و نقوم و نقعد و لهم نروح و نغدو؟فبادرت إليه بناته و أمّهاتهنّ، فقامت واحدة منهنّ على ساق فقال: أحسنتنّ أحسن اللّه جزاءكنّ، لمثل هذا أردتكن. و لاحظ الكبرى من بناته و آخر من بنيه و هما يراوحان بين أقدامهما، فقال: يا فلانة تراوحين و لا أراوح، صدق اللّه جلّ و عزّ و بلّغ رسوله صلى اللّه عليه و سلم، حيث يقول: إِنَّ مِنْ أَزْوََاجِكُمْ وَ أَوْلاََدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: ١٤]، حذّرني ربّي جلّ و تعالى منكم.
ثمّ قال: عليّ بن صالح ليس في خزانته طبرزد و جائزته من أمير المؤمنين ألف ألف درهم و ضيعته بالنّهروان تغلّ ثلاثمائة ألف درهم و ضيعته بالكوفة المعروفة بالمغيرة من أنبل