المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٢٨ - مساوئ من كره الوطن
و قال آخر: ما حنّ أحد إلى بلد لا جمع فيه شمله إلاّ لوصمة في عقله و لا تنزع نفسه إلى بلد قلّ به رفده إلاّ لاستيلاء الموق عليه.
و قيل لآخر: ما العيش؟فقال: دوران البلدان و لقاء الإخوان و مغازلة القيان و استماع الأغاني و النغمات من الزير و المثاني.
و قد قيل: من صبر على الغربة أمن الكربة، و أفضل العدّة الصبر على الشدّة.
و قالوا: لا توحشنّك الغربة إذا أنست بالكفاية، و لا تجزع لفراق الأهل مع لقاء اليسار.
و قيل الفقير في الأهل مصروم و الغنيّ في الغربة موصول.
و قيل: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم انسك و اهجر وطنك ما نبت عنه نفسك.
و قرئ على باب خان بطرسوس:
ما من غريب و إن أبدى تجلّده # إلاّ تذكّر عند الغربة الوطنا
الطائيّ:
لا يمنعنّك خفض العيش تطلبه # نزاع شوق إلى أهل و أوطان
تلقى بكلّ بلاد إن حللت بها # أهلا بأهل و جيرانا بجيران
و لآخر:
نبت بك الدّار فسر آمنا # فللفتى حيث انتهى دار
و روي عن كعب [١] بن مالك أنّه وصف وحشة المدينة لغيبة النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، فقال: تنكّرت البلاد فما هي بالبلاد التي نعرف، و تنكّر الناس فما هم بالناس الذين نعرف. و في معناه قال الشاعر:
فما النّاس بالنّاس الذين عهدتهم # و لا الدّار بالدّار الّتي كنت أعرف
و أنشد:
لا تقنعنّ و مطلب لك ممكن # فإذا تضايقت المطالب فاقنع
و قال آخر:
كم المقام و كم تعتادك العلل # ما ضاقت الأرض في الدّنيا و لا السّبل
إن كنت تعلم أنّ الأرض واسعة # فيها لغيرك مرتاد و مرتحل
[١] كعب بن مالك السلمي الأنصاري الخزرجي صحابي جليل من أكابر الشعراء اشتهر في الجاهلية و كان في الإسلام من شعراء النبي صلى اللّه عليه و سلم، توفي سنة (٥٠ هـ) .