المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٤٦ - مساوئ الفأل
بشدّة علّته، فقدم أخوه و محمّد لمآبه فأدخل الجارية بيتا في الدار و وطئها قبل وفاة أخيه. فلمّا مات حمل المال و الأثاث و الجارية إلى منزله بسرّ من رأى و أخذ في الشراب، فانصرف ليلة ثملا فأراد المبيت على سطح الدار فمنع من ذلك فامتنع، فلمّا صار في أعلى الدرجة سقط و انقصف ظهره فجعلنا نتذاكر شعر أخيه.
قيل: و وفدت عزّة كثير على عبد الملك بن مروان، فلمّا دخلت سلّمت فردّ عليها السلام و رحّب بها و قال: ما أقدمك يا عزّة؟قالت: شدّة الزمان و كثرة الألوان و احتباس القطر و قلّة المطر. قال: هل تروين لكثيّر:
و قد زعمت أنّي تغيّرت بعدها # و من ذا الّذي يا عزّ لا يتغيّر
قالت: لا أروي له هذا، و لكني أروي له قوله:
كأني أنادي صخرة حين أعرضت # من الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت
فقال: ما كنت لتصيري إلى حاجة أو تهبي نفسك لي فأزوّجك منه. قالت: الأمر إليك يا أمير المؤمنين، ما كنت لأزهد في هذا الشرف الباقي لي ما دامت الدنيا أن يكون أمير المؤمنين وليّي. فعظم بذلك قدرها عنده و أمر لها بمال و كتب إلى كثيّر و هو بالكوفة: أن اركب البريد و عجّل فإني مزوّجك عزّة. فأتاه الكتاب و هو مضنى من الشوق إليها فرحل فأقبل نحوها، فلمّا كان في بعض الطريق إذا هو بغراب على شجرة بانة و إذا هو ينتف ريشه و يطايره، و كان شديد الطّيرة، فلمّا رآه تطيّر و همّ بالانصراف ثمّ غلبه شوقه فمضى و هو مكروب لما رأى، حتى أتى ماء لبني نهد، فإذا هو برجل يسقي إبله فنزل عن راحلته و استظلّ بشجرة هناك فأبصر النهديّ، فأتاه و سأله عن اسمه و نسبه فانتسب، فرحّب به، فأخبره عمّا رأى في طريقه، فقال: أمّا الغراب فغربة، و أمّا البانة فبين، و أمّا نتف ريشه ففرقة. فاستطير لذلك، و مضى حتى دنا من دمشق فإذا بجنازة فاستعبر و قال: أسأل اللّه خير ما هو كائن!فسأل عن الميّت فإذا هي عزّة، فخرّ مغشيّا عليه، فعرف و صبّ عليه الماء فكان مجهوده أن بلغ القبر، فلمّا دفنت انكبّ على القبر و هو يقول:
سراج الدّجى ضمر الحشى منتهى المنى # كشمس الضّحى نوّامة حين تصبح
إذا ما مشت بين البيوت تخزّلت # و مالت كما مال النّزيف المرنّح
تعلّقت عزّا و هي رؤد شبابها # علاقة حبّ كاد بالقلب يرجح
أقول و نضوي واقف عند رمسها [١] # عليك سلام اللّه و العين تسفح
[١] الرمس: القبر.