المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١١٤ - محاسن التيقظ
ذلك اليوم، و سبق إليه الأسدي بالخبر و قال: احذر فقد اتخذ لك كيت و كيت، قال: فدخلت عليه فإذا هو على كرسي، فعرفت الشر في وجهه و المنكر في نظره، فقال: هيه يا أبا بديل مع إكرامي لك أردت أن تقتلني؟قال فتضاحكت و قلت: بلغ من مكره أن دس إليك هذا الأسدي، لقد عملت فيك حيلته!ثم حرّكه بطنه فقام إلى الخلاء و قال: لا ترم، فلما ولى و ثبت و خرجت مسرعا، فقال الحاجب: أسرعت. قلت: نعم في حاجة للأمير، و ركبت فرسي فرأيت القوم قد وافوا كلهم إلا الأسدي، فعلمت أنه صاحبي، فلما خرج سأل عني فأخبر بمضيي، فوجه خيلا في طلبي، فمال اليربوعيون فدفعهم، و مضيت حتى صرت إلى المصمغان و كتبت إلى أبي جعفر المنصور كتابا مكشوفا، فكتب: إني قد عرفت ما وصفته و قد صح الأمر، ثم كتب إلى خازم بن خزيمة فصار إليه حتى أخذه.
علي بن بريهة الهاشمي قال: قال صاحب عذاب أبي جعفر: دعاني أبو جعفر المنصور ذات يوم و إذا بين يديه جارية صفراء و قد دعا لها بأنواع العذاب و هو يقول لها: ويلك اصدقيني فو اللّه ما أريد إلا الألفة و لئن صدقتني لأصلن الرحم و لأتابعن البر إليه، و إذا هو يسائلها عن محمد بن عبد اللّه و هي تقول: ما أعرف مكانه، و دعا بالدّهق [١] و أمر به فوضع عليها فلما كادت نفسها أن تتلف قال: أمسكوا عنها، و كره ما رأى و قال لأصحاب العذاب: ما دواء مثلها إذا صار إلى مثل حالها؟قالوا الطيب تشمه و الماء البارد يصب على وجهها و تسقى السويق، فأمر لها بذلك و عالج بعضه بيده و قال لأصحاب العذاب: أ لا أعلمتموني بما ينالها فأكف عنها؟قالوا: قد علمنا أنها لا تقوى على هذا و لكنا هبناك، فما زالوا يردون عليها نفسها حتى أفاقت، و أعاد عليها المسألة فأبت إلا الجحود، فقال لها: أ تعرفين فلانة الحجامة؟فاسود وجهها و تغيرت، فقالت: نعم يا أمير المؤمنين تلك في بني سليم، قال: صدقت هي و اللّه أمتي ابتعتها بمالي و رزقي يجري عليها في كل شهر و كسوة شتائها و صيفها، أمرتها أن تدخل منازلكم و تحجمكم و تتعرف أخباركم، ثم قال: أو تعرفين فلانا البقال؟قالت: نعم هو في بني فلان، قال: هو و اللّه مضاربي بخمسة دنانير أمرته أن يبتاع بها كل ما يحتاج إليه من البيوع فأخبرني أن أمة لكم يوم كذا و كذا من شهر كذا صلاة المغرب جاءت تسأله حناء و ورقا، فقال لها: ما تصنعين بهذا؟فقالت: كان محمد بن عبد اللّه في بعض ضياعه بناحية البقيع و هو يدخل الليلة فأردنا هذا لتتخذ منه النساء ما يحتجن إليه عند دخول أزواجهن من المغيب، فأسقط في يدها و أذعنت بكل ما أراد.
قيل: و إن أبا جعفر كتب في حمل عبد اللّه بن الحسن و أهل بيته من المدينة إلى
[١] الدهق خشبتان يغمز بهم الساق.