المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١١٥ - محاسن التيقظ
حضرته، فلما أخرجوا كثر عليهم البكاء فقال عبد اللّه، أفيقوا من البكاء و أوغلوا في الدعاء، فإني أشهد اللّه على ما أردت من إحياء الحق و إماتة الباطل، فجرى القدر بما جرى، فجدي الحسن و الحسين قتلا بسم و سيف، فالحمد للّه الذي جعل منايانا جهادا و لم يجعلها مهادا.
و أخبرنا إبراهيم بن السندي بن شاهك و كان من العلماء بأمر الدولة قال: قال لي المأمون: نبئت أنك عالم بأمر الدولة و رجال الدعوة. قلت: ذلك الذي يلزمني يا أمير المؤمنين بعد الفرض أن أعرف أيام مواليّ و محاسن ساداتي، قال: فهات ما عندك، ثم أنشأ يحادثني و يسائلني عن أمور خفية لم تخطر ببالي قط، فكان منها أن قال: ما اسم أم قحطبة بن شبيب؟قلت: لا أعلم، قال لبابة بنت سنان. ثم قال: ما اسم أبي عون؟قلت: لا أدري، قال: فلان فو اللّه ما زال يسائلني عن خفي أمر الدولة و لا يجد عندي جوابا و لا يزيدني على أن تبسم، فكلما فعل ذلك زاد في عيني و ضعفت عند نفسي، قال: فكان آخر ما قال: أخبرك أن بعض أهلنا ذات يوم رأت و هي حامل متمّ كأنّه أتاها آت في منامها فقال لها: يولد في هذه الليلة خليفة و يموت خليفة و يستخلف خليفة، فمات الهادي في تلك الليلة و استخلف الرشيد و ولدت أنا.
و عن إبراهيم بن السندي بن شاهك قال: لما اختار يحيى بن أكثم العشرة من الفقهاء و أحضرت مجلس المأمون لمذاكرة الفقه جعل له يوما في الجمعة يحضرون مجلسه، فقال لي المأمون: يا إبراهيم احضر فلست بدون أكبرهم، فكنت أحضر، و كان قد اختار من أيام الجمعة يوم الثلاثاء، قال: فحضرت يوما فلما أمسك المأمون عن المسائل نهض القوم، و كان ذلك إذنه بانصرافهم، فوثبت معهم، فقال بيده: مكانك يا إبراهيم، فقعدت و قام يحيى و ساءه تخلّفي، فقال لي و دخل إبراهيم بن المهدي: هات ذكر من في عسكرنا ممن يطلب ما عندنا بالرياء، فقلت ما عندي، و قال إبراهيم ما عنده، فقال: ما أرى عند أحد ما يبلغ إرادتي، ثم أنشأ يحدث عن أهل عسكره حتى و اللّه لو كان قد أقام في رحل كل رجل حولا لما زاد على معرفته، و قال: إنه كان مما حفظت عنه في ثلب [١] أصحابه أنه قال: تسبيح حميد الطوسي و صلاة قحطبة و صيام النوشجاني و وضوء بشر المريسي و بناء مالك بن شاهك المساجد و بكاء إبراهيم بن بريهة على المنبر و جمع الحسين بن قريش القيامي و قصص مرجّى و صدقة علي بن هشام و حملان إسحاق بن إبراهيم في سبيل اللّه و صلاة أبي رجاء الضحى، فقال لي رجل من عظماء العسكر حين خرجنا من الدار: هل رأيت أو سمعت قط أعلم برعيته و أشد تنقيرا من هذا؟قلت: اللهم لا!فحدثت بهذا الحديث بعض أهل الخطر، فقال: و ما تصنع بهذا و قد
[١] ثلب ذكر مساوئ الرجل و عيوبه.