المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٨٨ - محاسن الوفاء
على شيء يقتلون يومهم ذلك من أدركوا منهم حتى جنهم الليل، و بلغت هزيمة الأعاجم كسرى بالمدائن، قال دغفل [١] : فذكر هذا الحديث لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال: «هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم و بي نصروا» [٢] ، يعني باسمه صلى اللّه عليه و سلم، قال: و سقط في يد كسرى و اغتاظ من ذلك غيظا شديدا و وقعت الولولة و العويل بالمدائن، فندب كسرى الجنود و فرق فيهم السلاح و المال لمعاودة حرب بكر بن وائل، ثم إن بطارقة الروم خرجوا على ملكهم قيصر فقتلوه فاشتغل به عن معاودة حرب بكر بن وائل فكان هانئ بن مسعود المزدلف أحد الأفياء.
و منهم الطائي صاحب النعمان بن المنذر، و كان من حديثه أن النعمان بن المنذر ركب في يوم بؤسه، و كان له يومان يوم بؤس و يوم سعد، لم يلقه في يوم بؤسه أحد إلا قتله و في يوم سعده أحد إلا حباه و أعطاه، فاستقبله في يوم بؤسه أعرابي من طيء فقال: حيا اللّه الملك، إن لي صبية صغارا لم أوص لهم أحدا فإن يأذن لي الملك في إتيانهم و أعطيه عهد اللّه أني أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع يدي في يده. فرق له النعمان فقال: لا إلا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن لم تأت قتلناه، و شريك بن عمرو بن شراحيل نديم النعمان معه، فقال الطائي:
يا شريك يا ابن عمرو # هل من الموت محاله
يا أخا كلّ مضام # يا أخا من لا أخا له
يا أخا النعمان فكّ الـ # يوم عن شيخ غلاله
إنّ شيبان قبيل # أحسن النّاس فعاله
فقال شريك: هو علي أصلح اللّه الملك!فمر الطائي و النعمان يقول لشريك: إن صدر هذا اليوم قد ولى و لا يرجع!و شريك يقول: ليس لك عليّ سبيل حتى نمسي، فلما أقبل شخص و النعمان ينظر إلى شريك، فقال: ليس لك علي سبيل حتى يدنو الشخص، فبينا هم كذلك إذ أقبل الطائي فقال النعمان: و اللّه ما رأيت أكرم منكما و ما أدري أيكما أكرم!لا أكون و اللّه ألأم الثلاثة، ألا إني قد رفعت يوم بؤسي!و خلى سبيل الطائي فأنشأ يقول:
و لقد دعتني للخلاف عشيرتي # فأبيت عند تجهّر الأقوال
إنّي امرؤ منّي الوفاء خلقة # و فعال كلّ مهذّب بذّال
فقال النعمان: ما حملك على الوفاء؟قال: ديني. قال: و ما دينك؟قال: النصرانية.
قال: اعرضها عليّ!فعرضها عليه فتنصر النعمان.
[١] دغفل بن حنظلة الشيباني (٦٥ هـ) مشهور في معرفة الأنساب.
[٢] الحديث أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٢١١) و أخرجه في كنز العمال (٣٠٣٠١) .