المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٤٩ - محاسن السخاء
قال: تحفر لنا بركة يجتمع فيها ماء السماء فإن الماء يعز بالبلاد إلا على من كانت له مصنعة فيشرب منها و يبيع فضلها و ينتفع بثمنه، قال: فبكم يكتفي أحدكم في الشهر؟قال: بأربعة دراهم لكل رجل و للمرأة ستة دراهم، قال: فإني قد أجريت لكل رجل عشرة دراهم و لك امرأة ثمانية عشرة درهما؛ فهل تتزوجون؟قال: نعم قال: فكم مهور نسائكم؟قال: أربع مائة درهم، قال: فإني أمر بإعطائكم ما أجريت عليكم لسبع سنين و لمهور نسائكم عشرين ألف درهم، قال: من يدفع هذا المال إلينا؟فأشار إلى غلام أمرد معه فقال: ادفع إلى هذا المال، فدفع إليه، فقال: أ تأذن أن أشتري، أصلحك اللّه، من هذا المال تابوتا أجعله فيه؟قال: نعم، و أمر باتخاذ بركة لهم بلغت النفقة عليها عشرين ألف درهم.
و حدثنا يزيد البرمكي قال: قدم الواقدي من المدينة بأسوإ حال فصار إلى يحيى و هو لا يعرفه فوضع الطويلة على رأسه، فركب يحيى و خرج فرآه جالسا على باب داره في زي القضاة، فقام الواقدي و أثنى عليه و دعا له، و مر يحيى في موكبه إلى دار أمير المؤمنين ثم انصرف و إذا الواقدي في مجلسه ذلك، فقام إليه و دعا له و أثنى عليه، فدخل منزله و جلس الواقدي، فسأله يحيى عنه و قال: من هذا الشيخ الرث الهيأة؟فلم يعرفه أحد. فقال: ويحكم لا أشك إلا أنه شيخ أصيل معه علم وفقه، و دعا بكيس فيه أربعة آلاف دينار و أمر وكيلا له أن يدفعها إليه، و كان قصارى الواقدي و مناه أن يصله بألف درهم، فخرج الرسول و وضع الكيس في حجره، لما رأى عظيم الكيس أقبل يدعوا ليحيى و يثني عليه ثم قام و انصرف إلى منزله و قد أخذته الرعدة و الحرص أن يرى ما في الكيس فيعرف منتهاه، فلما صار إلى حجرته استعار من بعض جيرانه ميزانا و صنجات ثم فتح الكيس و إذا أربعة آلاف دينار فكاد أن يغشى عليه من السرور، فرم من حاله و اتخذ ثيابا سوية و عمد على أن ينصرف إلى المدينة. لما كان من الغد بكر على يحيى ليودعه فدخل و أنشد فرآه عالما فقيها مسامرا بليغا فأعجب به، فقام ليودعه فقال: أقم عندنا و لك في كل حول هذا المقدار فأقام عنده.
و حدثنا يعقوب بن إسحاق قال: رأى رجل من الموالي ليحيى رؤيا، و كان يحيى على حال الخوف و الوجل من الهادي، فقص الرؤيا على أبيه، فقال: يا بني هذه و اللّه رؤيا عجيبة و أخلق به لأن الرشيد في حجره و ولاية العهد له، قال: يا أبت أ فترى أن أخبره بها؟قال: يا بني لا تفعل فإن السلطان غليظ عليه و هو يرميه بالزندقة و أنا أشفق عليه من إتيانه لأنه لا يقبل مثل هذا في هذا الوقت، فعصى الرجل أباه و أتاه، قال الرجل: فلما دخلت عليه رأيت المصحف بين يديه يقرأ فيه فعجبت مما قيل فيه، فلما خف من عنده دنوت منه فقصصت عليه الرؤيا، فقال: يا ابن أخي ما أحسن بالرجل أن يلتمس الرزق بالأحسن الأجمل و أقبح به أن يلتمسه