المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١١ - محاسن الكتب
و الأماكن المذكورة و يضعون الخطّ في أبعد المواضع من الدثور و أمتعها من الدروس و أجدر أن يراها من مرّ و لا ينسى على مرور الدهور، و عمدوا إلى الرسوم و نقوش الخواتيم فجعلوها سببا لحفظ الأموال و الخزائن و لولاها لدخل على الناس الضّرر الكبير.
و لو لا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره و لبطلت معرفة التضاعيف، و نفع الحساب معلوم و الخلة في موضع فقده معروفة. قال عز و جل: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِيََاءً وَ اَلْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنََازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسََابَ [: ].
و لو لا الكتب المدوّنة و الأخبار المجلّدة و الحكم المخطوطة التي تجمع الحساب و غير الحساب لبطل أكثر العلم.
و لو لا الكتاب لم يكن يعلم أهل الرّقّة و الموصل و بغداد و واسط ما كان بالبصرة و حدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء، و ذلك مشهور في الحمام إذا أرسلت، و كانت العرب تعمّد في مآثرها على الشعر الموزون و الكلام المقفّى و كان ذلك ديوانها على أنّ الشّعر بقيّة فضيلة البيان على الشاعر الراغب و فضيلة الأثر على السيّد المرغوب إليه. و كانت العجم تقيّد مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير و بناء إصطخر و بيضاء المدائن و شيرين و المدن و الحصون و القناطر و الجسور، ثمّ إن العرب شاركت العجم في البنيان و تفرّدت بالشّعر، فلها من البنيان غمدان و كعبة نجران و قصر مأرب و قصر شعوب و الأبلق الفرد و غير ذلك من البنيان.
و تصنيف الكتب أشدّ تقييدا للمآثر على مرّ الأيام و الدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس و تعفو رسومه و الكتاب باق يقع من قرن إلى قرن فهو أبدا جديد و الناظر فيه مستفيد و هو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان و التصاوير، و أهل العلم و النظر و أصحاب الفكر و العبر و العلماء بمخارج الملل و أرباب النّحل و ورثة الأنبياء و أعوان الخلفاء يكتبون كتب الظّرفاء و الملحاء و كتب الملاهي و الفكاهات و كتب أصحاب المراء و الخصومات و كتب أصحاب العصبيّة و حميّة الجاهليّة فمنهم من يفرط في التعلّم في أيّام جهله و خمول ذكره و حداثة سنّه، و لو لا جياد الكتب و حسانها لما تحرّكت همم هؤلاء لطلب العلم و نازعت إلى حبّ الأدب و أنفت من حال الجهل و أن تكون في غمار الحشوة و يدخل عليهم الضرر و الحقارة و سوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلاّ بالكلام الكثير، و لذلك قال عمر بن الخطّاب: تفقّهوا قبل أن تسودوا.
و قال بعض الحكماء: ذهب المكارم إلاّ من الكتب، و قال اللّه عزّ و جلّ: اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ