المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٢٥ - محاسن الحنين إلى الوطن
و قال الفرزدق:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا # غدت منّي مطلّقة نوار
و كانت جنّتي فخرجت منها # كآدم حين لجّ به الضّرار
و منه ما قيل في خفّي حنين و كان حنين إسكافا من الحيرة فساومه أعرابيّ بخفيّه و اختلفا في ذلك حتى أغضبه فأراد أن يغيظ الأعرابيّ، فلمّا ارتحل أخذ حنين الخفّين فألقى أحدهما على الطريق و ألقى الآخر في موضع آخر من طريقه، فلمّا مرّ الأعرابيّ رأى أحدهما فقال: ما أشبه هذا بخفّ حنين و لو كان معه أخوه نزلت فأخذته، و مضى، فلمّا انتهى إلى الآخر ندم على ترك الأوّل و أناخ راحلته فأخذه و رجع إلى الأوّل، و قد كمن له حنين فعمد إلى راحلته فذهب بها و ما عليها، و أقبل الأعرابيّ و ليس معه إلاّ الخفّان؛ فقال له قومه: ما الذي أتيت به؟قال:
أتيت بخفّي حنين؛ فضربته العرب مثلا. و قال الشاعر في مثله:
لتقرعنّ عليّ السّنّ من ندم # إذا تذكّرت يوما بعض أخلاقي
محاسن الحنين إلى الوطن
قال اللّه تبارك و تعالى: وَ لَوْ أَنََّا كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيََارِكُمْ مََا فَعَلُوهُ إِلاََّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: ٦٦]؛ فقرن جلّ ذكره الجلاء عن الوطن بالقتل، و قال جلّ و تعالى:
وَ مََا لَنََا أَلاََّ نُقََاتِلَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنََا مِنْ دِيََارِنََا وَ أَبْنََائِنََا [البقرة: ٢٤٦]؛ فجعل القتال ثأرا للجلاء. و قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «الخروج عن الوطن عقوبة» .
و قال عمر بن الخطّاب، رضي اللّه عنه: لو لا حبّ الوطن لخرب بلد السوء.
و كان يقال: بحبّ الأوطان عمرت البلدان.
و قال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه كما تتروّح الأرض الجدبة ببلل المطر.
و قال بقراط: يداوى كلّ عليل بعقاقير أرضه فإنّ الطبيعة تنزع إلى غذائها.
و ممّا يؤكّد ذلك قول أعرابيّ و قد مرض بالحضرة فقال له قائل: ما تشتهي؟قال: محضا رويّا و ضبّا مشويّا.
و حدّث عن بعض بني هاشم قال: قلت لأعرابيّ: من أين أقبلت؟قال: من هذه البادية! قلت: و أين تسكن منها؟فقال: مساقط الحمى حمى ضريّة لعمر اللّه ما نريد بها بدلا و لا نبغي عنها حولا نفحتها العذاوات و حفّتها الفلوات فلا يعلولج ترابها و لا يتمعر جنابها و لا يملو لح ماؤها، ليس بها أذى و لا قذى و لا موم، فنحن فيها بأرفه عيش و أنعم معيشة و أرغد نعمة.