المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٢٥ - محاسن المكاتبات
نعمتان. فكتب عمرو: إن رأى أمير المؤمنين أن يفكّ أسر عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته أو يأذن له في الانصراف إلى بلده فعل إن شاء اللّه تعالى. فلمّا قرأ المأمون الرقعة دعا عمرا فجعل يعجبه من حسن لفظها و إيجاز المراد فيها. قال عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتاب له في هذا الوقت بما سأل لئلاّ يتأخّر فضل استحساننا كلامه و بجائزة مائة ألف درهم صلة عن دناءة المطل و سماجة الإغفال. ففعل عمرو ذلك.
و حدّثنا إسماعيل بن أبي شاكر قال: لمّا أصاب أهل مكّة سنة ثمان و مائتين السيل الذي شارف الحجر و مات تحت هدمه خلق كثير كتب عبد اللّه بن الحسن العلويّ و هو والي الحرمين إلى المأمون: يا أمير المؤمنين إنّ أهل حرم اللّه و جيران بيته و ألاّف مسجده و عمرة بلاده قد استجاروا بفيء معروفك من سيل تراكمت أحداثه في هدم البنيان و قتل الرجال و النسوان و اجتياح الأموال و جرف الأمتعة و الأثقال، حتى ما ترك طارفا و لا تالدا يرجع إليهما في مطعم و ملبس، قد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة إلى البكاء على الأمّهات و الأولاد و الآباء و الأجداد، فأجرهم يا أمير المؤمنين بعطفك عليهم و إحسانك إليهم تجد اللّه مكافئك عنهم و مثيبك عزّ الشكر لك منهم. قال: فوجّه إليهم المأمون بالأموال الكثيرة. و كتب إلى عبد اللّه:
أمّا بعد فقد وصلت شكيّتك لأهل حرم مكّة إلى أمير المؤمنين فتلافاهم اللّه بفضل رحمته و أنجدهم بسيب نعمته و هم متبع ما أسلفه إليهم بما يخلفه عليهم عاجلا و آجلا إن أذن اللّه جلّ و عزّ في تثبيت عزمه على صحة نيّته فيهم. قال: فكان كتابه هذا أسرّ إلى أهل مكّة من الأموال التي أنفذها إليهم.
قال أحمد بن يوسف: دخلت على المأمون يوما و معه كتاب يعجب به كتبه إليه عمرو بن مسعدة، فالتفت إليّ و قال: أحسبك مفكرا فيما رأيت. قلت: نعم، وقى اللّه أمير المؤمنين المكروه. قال: إنّه ليس بمكروه و لكني قرأت كلاما نظير الخبر خبّرني به الرشيد، سمعته يقول: البلاغة التقرّب من معنى البغية و التباعد من حشو الكلام و دلالة بالقليل على الكثير، فلم أتوهّم أن هذا الكلام يسبك على هذه الصيغة حتى قرأت هذا الكتاب، و اللّه لأقضينّ حقّ هذا الكلام، و كان الكتاب استعطافا على الجند فيه كتابي إلى أمير المؤمنين و من قبلي من أجناده و قوّاده في الطاعة و الموالاة و الانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند، و قد تأخّرت أرزاقهم و اختلّت أحوالهم. قال: فأمر بإعطائهم لثمانية أشهر.
قال: و لمّا بعث طاهر بن الحسين برأس محمّد الأمين كتب إليه: آتى اللّه أمير المؤمنين من شكره ما يزيد به في نعمته عليه و أياديه لديه، فقد كان من قدر اللّه جلّ و عزّ في إعانة أمير المؤمنين على الظفر بحقّه و سلامة الأولياء و وفاة محمّد بن الرشيد ما لا دافع له من القضاء في