المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٧٢ - محاسن صلات الشعراء
اخرج فانظر من بالباب، فخرجت فإذا الشيخ، فقلت: إن كان لك حاجة فاذكرها، قال: لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين. ففعل هذا مرات، فقال المهدي: انظر من بالباب. فقلت: شيخ قد سألني غير دفعة عن حاجة فقال: ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحدا دون أمير المؤمنين، فقلت:
أ يدخل؟قال: نعم و مره بتخفيف، فخرجت و قلت له: ادخل و خفف. فدخل و سلم بالخلافة ثم قال: يا أمير المؤمنين إنا قد أمرنا بالتخفيف:
فإن شئت خفّفنا فكنّا كريشة # متى تلقها الأنفاس في الجوّ تذهب
و إن شئت ثقّلنا فكنّا كصخرة # متى تلقها في حومة [١] البحر ترسب
و إن شئت سلّمنا فكنّا كراكب # متى يقض حقّا من سلامك يعزب
فضحك المهدي و قال: بل تكرم و تقضى حاجتك. فقضى حاجته و وصله بعشرة آلاف درهم.
قال المبرد: حدثني محمد بن عامر الحنفي قال: ذكروا أن فتيانا كانوا مجتمعين قد ائتلفوا في نظام واحد كلهم ابن نعمة و كلهم قد شرد عن أهله و قنع بأصحابه، فذكر ذاكر منهم و قال: كنا قد اكترينا دارا شارعتها على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس فكنا لا نستكثر أن تقع مئونتنا على واحد منا إذا أمكنه و يبقى الواحد منا لا يقدر على شيء فيقوم أصحابه بأمره الدهر الأطول، فكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام أطيبه و لبسنا من اللباس ألينه و دعونا الملهين و الملهيات و كنا في أسفل الدار، و إذا عدمنا الطرب جلسنا في غرفة لنا نتمتع فيها بالنظر إلى الناس، و كنا لا نخل بالنبيذ في عسر و لا يسر و لو نبيع الثوب من الأثواب، فإنا لكذلك يوما إذا بفتى يستأذن علينا، فقلنا له: اصعد و ادخل، فإذا رجل حلو الوجه سري الهيئة تنبئ رؤيته أنه من أهل النعم. فأقبل علينا فقال: إني سمعت بمجتمعكم و حسن مناداتكم و صحة ألفتكم حتى كأنكم أدرجتم جميعا في قلب واحد فأحببت أن أكون واحدا منكم و أن لا تحشموني. قال:
و صادف ذلك منا إقتارا من القوت و إكثارا من النبيذ. فقال لغلام معه: هات ما عندك. فغبر عنا غير بعيد ثم أتى بسلة خيزران فيها طعام من جداء و دجاج و فراخ و رقاق و أشنان و أخلة و محلب فأصبنا من ذلك الطعام ثم أفضنا في شرابنا و انبسط الرجل، فإذا هو أحلى خلق اللّه إذا حدث و أحسنهم استماعا إذا حدث و أمسكهم عن ملاحاة إذا خولف، ثم أفضينا معه إلى أكرم مخالعة و أجمل معاشرة، فكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه فيظهر لنا أنه لا يحب غيره و يرى ذلك في أسارير وجهه، فكنا نغنى به عن حسن الغنى و نتمثل بكلامه و نتدارس أخباره، فشغلنا بظرفه و بما عاشرنا به عن وصفه و السؤال عن تعرف اسمه و نسبه، فلم يكن
[١] حومة كل شيء معظمه.