المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢١ - محاسن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم
قال: فأمرت امرأتي فطحنت شيئا من شعير فصنعت له منه خبزا و ذبحت الشاة فشويتها، فلما أمسينا و أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، الانصراف قلت: يا رسول اللّه إني صنعت لك شويهة [١] و شيئا من خبز الشعير و أحب أن تنصرف معي إلى منزلي، و إنما أريد أن ينصرف معي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، وحده.
فلما قلت له ذلك قال: نعمم، ثم أمر بصارخ فصرخ: انصرفوا إلى بيت جابر. فقلت إنا للّه و إنّا إليه راجعون.
و أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و الناس معه، فأخرجتها إليه فسمى ثم أكل و تواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا و جاء قوم حتى صدر أهل الخندق عنها.
و روي عن محمد بن إسحاق أن ابنة لبشير بن سعد قالت: دعتني أمي ابنة رواحة فأعطتني حفنة تمر في ثوبي و قالت: يا بنية اذهبي إلى أبيك بهذا، قالت: فأخذتها و انطلقت بها فمررت برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أنا ألتمس أبي فقال صلى اللّه عليه و سلم: تعالي يا بنية، ما هذا معك؟قلت: تمر بعثت به أمي إلى أبي بشير بن سعد، فقال: هاتي به.
فصببته في كفي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده: ناد في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء. فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه و جعل هو يزداد حتى صدر أهل الخندق عنه و هو يسقط من أطراف الثوب.
و من آياته صلى اللّه عليه و سلم، ما لا يعرفها إلا الخاصة و هي محاسن أخلاقه و أفعاله التي لم تجتمع لبشر من قبله و لا تجتمع لأحد من بعده، و ذلك أنا لم نر و لم نسمع لأحد قط صبره و حلمه و وفاءه و زهده و جوده و نجدته و صدق لهجته و كرمم عشيرته و تواضعه و علمه و حفظه و صمته إذا صمت و نطقه إذا نطق و لا كعفوه و قلة امتنانه، و لم نجد شجاعا قط إلا و قد فر مثل عامر فر عن أخيه الحكم يوم الرقم و عيينة فر عن أبيه يوم نسار و بسطام عن قومه يوم العظالى.
و كان له صلى اللّه عليه و سلم، وقائع مثل احد و حنين و غيرهما فلا يستطيع منافق أن يقول هاب حربا أو خاف.
و اما زهده صلى اللّه عليه و سلم، فإنه ملك من أقصى اليمن إلى شحر عمان إلى أقصى الحجاز إلى عذار العراق ثم توفي صلى اللّه عليه و سلم، و عليه دين و درعه مرهون في ثمن طعام أهله، لم يبن دارا و لا شيد قصرا
[١] شويهة: تصغير شاة.