المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٠٢ - محاسن الدهاء و الحيل
لك ذلك مع رفقك و يمنك و مشورتك و رأيك، و ما كان هذا كله إلا بصنع اللّه عز و جل و تدبيرك، و ليس أحد أشكر لصنيعك مني، و من ابن الأشعث و ما خطره!حتى عزم الحجاج على المضي إلى عبد الملك فأخرج عمارة معه، فوفد عليه و عمارة يومئذ على أهل فلسطين أمير، فلم يزل يلطف بالحجاج في مسيره و يعظمه حتى قدموا على عبد الملك، فلما قامت الخطباء بين يديه و أثنت على الحجاج، قام عمارة فقال: يا أمير المؤمنين سل الحجاج عن طاعتي و مناصحتي و بلائي. فقال الحجاج: يا أمير المؤمنين صنع و صنع، و من بأسه و نجدته و عفافه و مكيدته كذا و كذا، هو أيمن الناس نقيبة و أعلمهم بتدبير و سياسة، و لم يبق غاية في الثناء عليه. فقال عمارة: أرضيت يا أمير المؤمنين؟قال: نعم، فرضي اللّه عنك، حتى قالها ثلاثا في كلها يقول: قد رضيت، فقال عمارة فلا رضي اللّه عن الحجاج يا أمير المؤمنين و لا حفظه و لا عافاه!فهو و اللّه السيئ التدبير الذي قد أفسد عليك أهل العراق و ألب عليك الناس، و ما أتيت إلا من قلة عقله و ضعف رأيه و قلة بصره بالسياسة، و لك و اللّه أمثالها إن لم تعزله! فقال الحجاج: مه يا عمارة!فقال: لا مه و لا كرامة يا أمير المؤمنين، كل امرأة له طالق و كل مملوك له حر إن سار تحت راية الحجاج أبدا!فقال عبد الملك: ما عندنا أوسع لك، فلما انصرف عمارة إلى منزله بعث إليه الحجاج و قال: أنا أعلم أنه ما خرج هذا عنك إلا معتبعة و لك عندي الغنى و لك و لك. فأرسل إليه: ما كنت أظن أن عقلك على هذا. أرجع إليك بعد الذي كان من طعني و قولي عند أمير المؤمنين!لا و لا كرامة لك.
و عن الهيثم بن الحسن بن عمارة قال: قدم شيخ من خزاعة أيام المختار [١] فنزل على عبد الرحمن بن أبزي الخزاعي، فلما رأى ما تصنع شيعة المختار به من الأعاظم له جعل يقول: يا عباد اللّه أ بالمختار يصنع هذا؟و اللّه لقد رأيته يبيع الإماء بالحجاز!فبلغ ذلك المختار فدعا به فقال: ما هذا الذي يبلغني عنك؟قال: الباطل، فأمر بضرب عنقه، فقال: لا و اللّه لا تقدر على ذلك!قال: و لم؟قال: أما دون أن أنظر إليك و قد فتحت مدينة الدمشق حجرا حجرا و قتلت المقاتلة و سبيت الذّرّية ثم تصلبني على شجرة على نهر!و اللّه إني لأعرف الشجرة الساعة و أعرف شاطئ ذلك النهر!قال: فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم: أما إن الرجل قد عرف الشجرة، فحبس حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال: يا أخا خزاعة و مزاح عند القتال! فقال: أنشدك اللّه أن أقتل ضياعا!قال: و ما تطلب هاهنا؟قال: أربعة آلاف درهم أقضي بها ديني. قال: ادفعوها إليه و إياك أن تصبح بالكوفة، فقبضها و خرج.
[١] المختار بن أبي عبيد الثقفي من مؤسسي فرقة الكيسانية (١-٦٧ هـ) .