المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٤١ - محاسن المسامرة
ذات يوم إذ مرّ به قرطاس فنظر إلى طرازه فأمر أن يترجم بالعربيّة ففعل ذلك فأنكره و قال: ما أغلظ هذا في أمر الدين و الإسلام أن يكون طراز القراطيس و هي تحمل في الأواني و الثياب و هما تعملان بمصر و غير ذلك ممّا يطرّز من ستور و غيرها من عمل هذا البلد على سعته و كثرة ماله و أهله تخرج منه هذه القراطيس فتدور في الآفاق و البلاد و قد طرّزت بشرك مثبت عليها! فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان، و كان عامله بمصر، بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرّز به من ثوب و قرطاس و ستر و غير ذلك و أن يأخذ صنّاع القراطيس بتطريزها بصورة التوحيد: و شهد اللّه أنّه لا إله إلاّ هو. و هذا طراز القراطيس خاصّة إلى هذا الوقت لم ينقص و لم يزيد و لم يتغيّر. و كتب إلى عمّال الآفاق جميعا بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرّزة بطراز الروم و معاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي منها بالضرب الوجيع و الحبس الطويل.
فلمّا أثبت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد و حمل إلى بلاد الروم منها انتشر خبرها و وصل إلى ملكهم فترجم له ذلك الطراز فأنكره و غلظ عليه فاستشاط غضبا و كتب إلى عبد الملك: إن عمل القراطيس بمصر و سائر ما يطرّز هناك للروم و لم يزل يطرّز بطراز الروم إلى أن أبطلته، فإن كان من تقدّمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، و إن كنت قد أصبت فقد أخطئوا، فاختر من هاتين الخلّتين أيّتهما شئت و أحببت، و قد بعثت إليك بهديّة تشبه محلّك و أحببت أن تجعل ردّ ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرّز من أصناف الأعرق حاجة أشكرك عليها و تأمر بقبض الهديّة. و كانت عظيمة القدر.
فلمّا قرأ عبد الملك كتابه ردّ الرسول و أعلمه أن لا جواب له و لم يقبل الهديّة. فانصرف بها إلى صاحبه، فلمّا وافاه أضعف الهديّة و ردّ الرسول إلى عبد الملك و قال: إني ظننتك استقللت الهديّة فلم تقبلها و لم تجبني عن كتابي فأضعفت لك الهديّة و أنا أرغب إليك في مثل ما رغبت فيه من ردّ هذا الطراز إلى ما كان عليه أوّلا. فقرأ عبد الملك الكتاب و لم يجبه و ردّ الهديّة. فكتب إليه ملك الروم يقتضي أجوبة كتبه و يقول: إنّك قد استخففت بجوابي و هديّتي و لم تسعفني بحاجتي فتوهمتك استقللت الهديّة فأضعفتها فجريت على سبيلك الأوّل و قد أضعفتها ثالثة، و أنا أحلف بالمسيح لتأمرنّ بردّ الطراز إلى ما كان عليه أو لآمرنّ بنقش الدنانير و الدراهم، فإنّك تعلم أنّه لا ينقش شيء منها إلاّ ما ينقش في بلادي. و لم تكن الدراهم و الدنانير نقشت في الإسلام. فينقش عليها من شتم نبيّك ما إذا قرأته ارفضّ جبينك له عرقا، فأحبّ أن تقبل هديّتي و تردّ الطراز إلى كان عليه و تجعل ذلك هديّة بررتني بها و نبقى على الحال بيني و بينك.