المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٥٩ - محاسن النظر في المظالم
الوليد و سليمان فأكلاها. فنزل عمر عن بغلته يبكي حتى جلس على الأرض ثمّ قال: من يعلم ذلك؟قال: أهل البلد قاطبة. قال: يكفيني من ذلك شاهدا عدل، اكتبوا له إلى بلاده إن أقام شاهدي عدل أن الأرض له و لآبائه فادفعوها إليه. فلمّا ولّى الرجل قال: انظروا هل هلكت له راحلة أم نفد له زاد أو تخرّق له من حذاء. فحسبوا ذلك فبلغ ثلاثين دينارا فأتي بها فعدت في يده.
قال ابن عيّاش: و خرج عمر ذات يوم من منزله على بغلة له و عليه قميص و ملاءة إذ جاء رجل على راحلة حتى أناخها و سأل عن عمر فقيل له: قد خرج و هو راجع الآن. فأقبل عمر و معه رجل يسايره، فقيل للرجل: هذا أمير المؤمنين. فقام فشكا إليه عديّ بن أرطاة في أرض له، فقال عمر: قاتله اللّه!أمّا و اللّه ما غرّنا إلاّ بعمامته السوداء، أما إني قد كتبت إليه فضلا عن وصيّتي إن من أتاك ببيّنة على حقّ له فسلّمه إليه، ثمّ قد عنّاك إليّ. فكتب إلى عديّ بردّ أرضه و قال للرجل: كم أنفقت؟قال: تسألني عن نفقتي و قد رددت عليّ أرضا هي خير من مائة ألف درهم!قال: إنّما ردّها عليك حقّك، أخبرني كم أنفقت؟قال: ما أدري. قال: احرزوه، فإذا هو ستّون درهما، فأمر له بها من بيت المال، فلمّا ولّى صاح به فرجع فقال: و هذه خمسة دراهم من مالي فكل بها لحما حتى تبلغ.
الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال: أخبرني دهقان السّيلحين قال: كان لسعيد بن مالك إلى جنبي ضيعة و كان رجلا حديدا فأتيته فقلت له: أعدني على نفسك. فأمر بي فوجئت في عنقي، فقلت: لأرحلنّ إلى عمر. فدخلت على امرأتي فأعلمتها ذلك فقالت: إني أخاف أن لا تصنع شيئا و يجترئ عليك. فقلت: إني أكره أن تحدّث العجم بأني قلت شيئا لم أفعله.
قال: فخرجت حتى قدمت المدينة فسألت عن عمر، رحمه اللّه، فدللت عليه و أرشدت إليه.
فلمّا أتيت منزله دخلت فإذا عمر، رضي اللّه عنه، جالس على عباءة، فرفع رأسه إليّ و قال:
كأنّك لست من أهل الملّة. فقلت: أنا رجل من أهل الذمّة. قال: فما حاجتك؟قلت:
لسعيد بن مالك ضيعة إلى جانبي و إني أتيته أستعديه على نفسه فأمر بي فوجئت في عنقي فقلت لأرحلنّ إلى عمر. فقال عمر: يا يرفا ائتني بالدواة و المكتب. فأتاه بجراب، فأدخل يده و أخرج صحيفة فكتب فيها، ثمّ أخرج سيرا يشدّها به فلم يقدر عليه فتناول خيطا من العباءة التي تحته و قد تنشّرت جوانبها فشدّها به، فأردت أن لا آخذها ثم تناولها متثاقلا، فكأنه عرف ما في نفسي فقال: ائته فإن كفاك و إلاّ فأقم و اكتب إليّ. قال: فخرجت حتى قدمت على أهلي فقالوا: ما صنعت؟قلت: أتيت رجلا لم يقدر على سير يشدّ به صحيفته حتى تناول خيطا من عباءة كانت تحته قد تفرّزت و تنشّرت جوانبها فشدّها به. قالوا: و ما عليك من ذلك إن نفذ