المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٨٨ - مساوئ منع الشعراء و البخل
إذا لم تك نفّاعا # فأنت النّازح الشّاحط
سواء أنت في عيني # بجيّ كنت أم واسط
و روي في الحديث قال: «لا يجتمع الشحّ و الإيمان في قلب عبد أبدا» [١] .
و يقولون: الشحيح أعذر من الظالم، و أقسم اللّه جل و عز بعزته لا يساكنه في جنته بخيل.
و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «من فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عليه» [٢] ، و قال الشاعر في ذلك:
ليس في كلّ ساعة و أوان # يتهيّأ صنائع الإحسان
فإذا أمكنت تقدّمت فيها # حذرا من تعذّر الإمكان
و سئل بعض الحكماء: من أكيس الناس في زماننا؟فقال: ابن أبي دؤاد حيث يقول فيه الشاعر:
بدا حين أثرى بإخوانه # ففلّل عنهم شباة العدم
و حذّره الحزم صرف الزّمان # فبادر قبل انتقال النّعم
فليس و إن بخل الباخلو # ن يقرع سنّا له من ندم
و لا ينكت الأرض عند السؤال # ليمنع سؤّاله عن نعم
و لكن ترى مشرقا وجهه # ليرتع في ماله من عدم
و فصل لبعضهم في هذا المعنى: إن لأيام القدرة على الخير غنائم فاصطنعها ما دامت راهنة لديك و أنت منها متمكن قبل أن تنقضي عنك.
و في المثل السائر في البخل: هو أبخل من قاذر. و هو رجل من بني هلال بن عامر بلغ من بخله أنه سقى إبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسلح [٣] فيه و قذر الحوض فسمي قاذرا، و ذكروا أن بني فزارة و بني هلال تنافروا إلى أنس بن مدرك و تراضوا به، فقالت بنو هلال يا بني فزارة أكلتم جلد الحمار!فقالت بنو فزارة: لم نعرفه. و كان سبب ذلك أن ثلاثة أنفار اصطحبوا، فزاري و ثعلبي و كلابي، و فصادوا حمار وحش، فمضى الفزاري في بعض حوائجه فطبخاه و أكلاه و خبيا للفزاري جلد الحمار، فلما رجع قالا له: قد خبأنا لك فكل، فأقبل يأكل
[١] أخرجه في إتحاف السادة المتقين للزبيدي (٨/١٩٦) .
[٢] أخرجه العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٣/٣٢٩) ، و أخرجه الهندي في كنز العمال (٤٣١٣٤) .
[٣] سلح مصدرها السلاح و هو النجو يقال سلحت الناقة من البقل و غيره إذا راثته.