المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٧٥ - مساوئ تعدي السلطان
الضاري و الفيل المغتلم و الأفعى القاتلة، و لا تصحب الصديق إلاّ بالتواضع و لين الجانب، و اصحب العدوّ بالحجّة فيما بينك و بينه و الإعذار عليه، و اصحب العامّة بالبرّ و البشر الحسن.
و قد قيل: سبع غشوم خير من وال ظلوم.
و حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: أتي الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج و عنده عمر بن عبد العزيز و خالد بن الريّان فقال له الوليد: ما تقول في أبي بكر؟قال: صاحب نبيّ اللّه في الغار و ثاني اثنين رحمه اللّه و غفر له. قال: فما تقول في عمر؟قال: هو الفاروق رحمه اللّه و غفر له. قال: فما تقول في عثمان؟قال: كان سنيّات من خلافته ملازما للعدل. قال: فما تقول في مروان بن الحكم؟قال: لعن اللّه ذاك. قال: فما تقول في عبد الملك؟قال: ذلك ابن ذاك لعن اللّه ذاك. قال: فما تقول فيّ؟قال: بنيّ ذينك و أنت شرّ الثلاثة. فقال: يا عمر ما تقول فيما تسمع؟ قال: يا أمير المؤمنين ما أحد أعلم بهذا منك و أنت أعلى به عينا. فألحّ عليه و اللّه لتقولن، فقال:
أما إذا أبيت يا أمير المؤمنين إلاّ أن أقول فسبّ إيّاه كما سبّ إيّاك و أن تعفو أقرب للتقوى. قال:
ليس إلاّ هذا. قال: لا يا أمير المؤمنين إلاّ أن تدخلك جبريّة، فأمّا الحقّ فليس إلاّ هذا.
فالتفت إلى خالد بن الريّان و هو قائم على رأسه ثمّ قام و هو غضبان. فقال خالد: و اللّه يا عمر لقد نظر إليّ أمير المؤمنين نظرة ظننت أنّه سيأمرني بضرب عنقك. قال: و لو أمرك كنت تفعل؟قال: إي و اللّه. قال: أما أنّه كان يكون شرّا لكما و خيرا لي.
ثمّ سكت عنه و بقي ذلك في قلبه، فلمّا قام الوليد من مجلسه دخل على امرأته أمّ البنين بنت عبد العزيز و هي أخت عمر فقال: أخوك الحروريّ و اللّه لأقتلنّه. فمكث أيّاما و عمر في منزله لا يحضر الباب و لا يلتمس المعذرة، فأتاه رسول الوليد وقت القائلة فدعاه، فلمّا دخل من باب القصر عدل به إلى بيت فأدخل فيه و طيّن عليه الباب. فرجع صاحب دابته إلى أهله فأخبرهم فأخبروا أخته بذلك فبحثت عن خبره فلم تجد أحدا يخبرها و ذلك يوم الثالث. فقيل لها: إنّ فلانا الخصيّ يعلم علمه. فأرسلت إليه فأعلمها بموضعه. فدخلت على الوليد فناشدته اللّه و الرحم و قبّلت يده. فقال: قد وهبته لك إن أدركته حيّا قال. ففتحوا عنه الباب فوجدوه قد انثنى عنقه فحملوه إلى منزله و عالجوه.
فلمّا توفي الوليد و كان سليمان بعده فهلك و تولّى عمر الخلافة جاء خالد بن الريّان في اليوم الذي استخلف فيه عمر، رحمه اللّه، متقلّدا سيفه، فقال له عمر: يا خالد انطلق بسيفك هذا فضعه في بيتك و اقعد فيه فإنّه لا حاجة لنا فيك، أنت رجل إذا أمرت بشيء فعلته لا تنظر لدينك. فلمّا ولّى خالد نظر عمر في قفاه فقال: اللهم يا رب إني قد وضعته لك فلا ترفعه أبدا.
فما لبث إلاّ جمعة حتى ضربه الفالج فقتله.