المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٧٣ - محاسن العفو
و اللّه لكأني أنظر إلى شؤبوبها [١] قد همع و إلى عارضها قد لمع و كأني بالوعيد قد أورى نارا فأقلع عن براجم [٢] بلا معاصم و رءوس بلا غلاصم [٣] ، مهلا مهلا بني هاشم فبي سهّل اللّه الوعر و صفّى الكدر و ألقت الأمور أزمّتها. نذار من حلول داهية خبوط باليد لبوط بالرّجل.
فقال عبد الملك: أ فذّا أتكلّم أم توأما؟قال: بل توأما. فقال: يا أمير المؤمنين اتّق اللّه فيما ولاّك، و راقبه فيما استرعاك، و لا تجعل الشكر بموضع الكفر، و لا الثواب بمحلّ العقاب، و اللّه اللّه في رحمك أن تقطعها بعد أن وصلتها بظنّ يؤثم ثمّ تقول باغ ينهس اللحم و ولغ في الدم، فقد جمعت القلوب على محبّتك و ذلّلت الرجال لطاعتك و كنت كما قال أخو كلاب لبيد بن ربيعة:
و مقام ضيّق فرّجته # بلساني و بياني و جدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله # زلّ عن مثلي مقامي و زجل
فوثب الرشيد من مجلسه و اعتنقه و جعل يقبّل ما بين عينيه و يسترجع و يعتذر ثمّ خلع عليه حلل الرّضى و تنفّس الصّعداء و قال: و اللّه لقد دعوته و إني لأرى موضع السيف من قفاه و ها أنا ذا نادم على ما كان مني، و اللّه جلّ و عزّ يتجاوز بقدرته عن ذلك.
قال: و ظفر المأمون برجل كان يطلبه، فلمّا دخل عليه قال: يا عدوّ اللّه أنت الذي تفسد في الأرض بغير حقّ، يا غلام خذه إليك و اسقه كأس الموت. فقال: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تستبقيني حتى أؤيّدك بمال؟قال: ليس إلى ذلك سبيل. قال: يا أمير المؤمنين فدعني أصلّ ركعتين أختم بهما عملي. قال: ليس إلى ذلك سبيل. قال: فدعني أنشد أبياتا. قال: هات.
فقال:
زعموا بأنّ الصّقر صادف مرّة # عصفور برّ ساقه المقدور
فتكلّم العصفور تحت جناحه # و الصّقر منقضّ عليه يطير
ما كنت خاميزا [٤] لمثلك لقمة # و لئن شويت فإنّني لحقير
فتهاون الصّقر المدلّ بصيده # كرما و أفلت ذلك العصفور
فقال المأمون: أحسنت!ما جرى ذلك على لسانك إلاّ لبقيّة بقيت من عمرك. فأطلقه و خلع عليه و وصله.
[١] الشؤبوب: الدفعة من المطر و غيره.
[٢] البراجم: مفاصل الأصابع.
[٣] الغلاصم: جمع غلصمة، و هي رأس الحلقوم.
[٤] الخاميز: كلمة أعجمية قيل هي نوع من الطعام.
غ