المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٥٠ - محاسن السخاء
على هذا و بما تذكره مما يشبهه!فخرجت من عنده و قد سقط وجهي، فأتيت أبي فأعلمته، فقال: بعدا لك و سحقا!قد نصحت لك فلم تقبل، ثم أقبل يشتمه و تشتمه أمه و أهله و يقولون:
نشهد عليك أنك من الزنادقة المعطلين!قال!ثم لم يلبث أن توفي الهادي و أفضى الأمر إلى الرشيد و صار يحيى إلى ما صار إليه، فبينا هو في موكبه يوما إذ بصر بي فوجه إلي و دعاني، فدخلت عليه و هو على كرسي قد طرح ثوبه و جعل يمسح وجهه، فلما دنوت منه قال: أين كنت عنا؟قلت: أعزك اللّه، و اللّه ما لقيت منك مع يدعو إلى إتيانك!قال: ويحك إنك أتيتنا و نحن في حال كنا نتخوف الجدر [١] أن يكون فيها من يسعى بنا و الإخوان أن يسعوا بنا و يحتالوا علينا، و لم يكن الرأي أن أجيبك إلا بما أجبتك، و و اللّه ما فارقني الفكر في العناية بك و الإيجاب لك و المعرفة بحقك منذ وقعت عليك عيني. ثم أمر سلاما بإحضار عشرة آلاف درهم فأحضرت، و أمر بالكتاب إلى سليمان بن راشد بأرمينية فدفع المال إلي و حملني و خلع علي و قال: اذهب فاصلح شأنك و تعال فتسلم كتبك، و أمر لي بعشر من دواب البريد، فانصرفت إلى منزلي و تحتي دابة و علي خلعة و معي عشرة آلاف درهم، فقال أبي: ما هذا يا بني؟فأعلمته الخبر، فما زلت و أهلي ندعوا له و نشهد أنه من الصديقين و الشهداء و الصالحين، فقلت لبعض جيراننا: ما أصنع بعشر دواب البريد؟فقال: أكرها فإنك تصيب في السكك من تقصر به دابته عن حاجته فيكتري منك، قال: فلما كان من الغد عدت إليه فأخذت كتبي و جوازي، فلما صرت إلى السكة وجدت رجلا كبيرا قد وجه إلى تلك الناحية و لم يكتف بما حمل عليه من الدواب، فأكريت منه ثماني دواب و خرجت على دابتين، أنا على دابة و غلامي على أخرى، و لم أزل في حشم المكتري حتى صرنا إلى أول العمل فإذا يحيى قد سبقني بالكتاب إلى سليمان أن رجلا من حاله كيت و كيت و له عندي أياد فاخترتك له فكن عند ظني بك في أمره و افعل به و افعل، قال: فوجه سليمان قائدا في جند عظيم لاستقبالي حتى إذا اتصل به دنوي استقبلني في وجوه أهل البلد، فلما دنا منا بادر إلى الرجل المكتري مني و لم يشك أني هو و سأله، فأعلمه المكتري أنه فلان بن فلان، فقال سليمان توهمتك فلانا!قال: لست هو و لكنه ذاك، و أشار إلي، فأقبل سليمان ركضا إلي و تضاءلت منه حياء لرثاثة حالي، فسألني و أعلمني أنه وجه إلي وكيله و حمل معه هدايا، فقلت: ما وصل ذلك إلي، فلما نزلنا و حططنا في بعض تلك المنازل إذا وكيله قد وافى بهداياه و إذا دواب و بغال موقرة و تخوت و ثياب، فدخلت البلد و قد حسنت حالي، فلما كان من الغد ركب إلي و قال: قد أعلمني أبو علي، أعزه اللّه، عن حالك و وكد علي في كتابه و ليس عندي إلا إطلاق العمل لك، و هاهنا نشوى الكبرى
[١] الجدر: جمع جدار.