المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٢٦ - ذكر من اختار الوطن على الثروة
قلت: فما طعامكم؟قال: بخ بخ عيشنا عيش تعلّل جاذبه و طعامنا أطيب طعام و أهنأه و أمرأه الفثّ [١] و الهبيد و الصليب و العنكث [٢] و العلهز [٣] و الذآنين و الينمة و العراجين و الحسلة [٤] و الضبّاب و اليرابيع و القنافذ و الحيّات و ربّتما و اللّه أكلنا القدّ و اشتوينا الجلد فما نعلم أحدا أخصب منّا عيشا و لا أرخى بالا و لا أعمر حالا، أ و ما سمعت قول شاعر و كان و اللّه بصيرا برقيق العيش و لذيذه؟قلت: و ما قال؟قال قوله:
إذا ما أصبنا كلّ يوم مذيقة # و خمس تميرات صغار كوانز
فنحن ملوك النّاس خصبا و نعمة # و نحن أسود النّاس عند الهزاهز
و كم متمنّ عيشنا لا يناله # و لو ناله أضحى به حقّ فائز
فالحمد للّه على ما بسط من حسن الدعة و رزق من السعة و إيّاه نسأل تمام النعمة.
و قيل لأعرابيّ: كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار و انتعل كلّ شيء ظلّه؟فقال: و هل العيش إلاّ ذاك؟
يمشي أحدنا ميلا فيرفض عرقا كأنّه الجمان، ثمّ ينصب عصاه و يلقي عليها كساءه و تقبل عليه الرياح من كلّ جانب فكأنّه في إيوان كسرى.
ذكر من اختار الوطن على الثروة
قال بعض الأدباء: عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك.
و قيل لأعرابيّ: ما الغبطة؟قال: الكفاية و لزوم الأوطان و الجلوس مع الإخوان. قيل:
فما الذّلّة؟قال: التنقّل في البلدان و التنحّي عن الأوطان.
و قال بعض الأدباء: الغربة ذلّة فإن ردفتها علّة و إن أعقبتها قلّة فتلك نفس مضمحلّة.
و قالت العرب: الغربة ذلّة و الذلّة قلّة.
و قال آخر: لا تنهض عن وكرك فتنقصك الغربة و تضيمك الوحدة.
و شبّهت العرب و الحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أمّ ترأم [٥] له و لا
[١] الفث: نبت يختبز حبه و يؤكل في الجدب.
[٢] العنكث: ضرب من النبات يشتهيه الضب.
[٣] العلهز: وبر يخلط بدم الحلم كانت العرب في الجاهلية تأكل منه في حالة الجدب.
[٤] الحسل: ولد الضب حين يخرج من بيضته و جمعه: حسلة.
[٥] رئمت الناقة: ولدها ترأمه عطفت عليه و لزمته.